الـزُُّهـرة والـزُّهـري (الأمراض الزهرية)
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



د. محمد علي البار
   تعرف الزُهرة بتوأم الأرض لأنهما متماثلان في الحجم تقريباً. والزُهرة ألمع الكواكب وأشدها تألقاً وتعرف بنجمة الصباح والمساء لأنها تظهر في المساء بصورة جلية بعد الغروب، كما تظهر كذلك آخر الليل قبل الفجر.


  واللفظ مشتق من زهر بمعنى أضاء. وقد اهتم القدماء اهتماماً شديداً بالزُهرة وعبدوها وعرفت باسم عشتروت وعشتر Aster وفينوس Venus. وكانت ضمن الثالوث المعبود في كثير من البلدان مثل بابل وعند الكلدانيين وعند الآشوريين في العراق، وعند الكنعانيين في سوريا ولبنان وفلسطين. وعبدها الإسرائيليون عندما زاغوا وعبدوا الأوثان تأثراً بالأمم الأخرى التي عاشوا بينها. والثالوث المعبود هو الشمس والقمر والزهرة. وقد عُبد هذا الثالوث في أماكن كثيرة من العراق إلى اليمن وفي حضارات مختلفة.


وفي اللغة السومرية يطلق على الزهرة اسم زب وفي الأكادية دلبت وعند المصريين يونو بمعنى طائر وباسم نجمة الصباح(تيوبر نوتيري) ونجمة المساء (أويتمي) أو (بنّو)(1).

وفي الفارسية (ناهية) وفي العبرية (ملكت هاشمايم) أي ملكة السماء. وعبدها اليونان والرومان وجعلوها آلهة الحب (فينوس)، ولها عندهم أسماء أخرى كثيرة. وقد عرفت لدى الكثير من الأمم باسم نجمة الصباح أو نجمة المساء.


 الزُهرة في علم الفلك

والزُهرة هي أقرب ثاني كوكب من المجموعة الشمسية إلى الشمس، وأولها عطارد وثانيها الزهرة، وثالثها الأرض، ورابعها المريخ وخامسها وأكبرها المشترى، يليه زحل، فأورانوس ونبتون وآخرها بلوتو الذي تم إخراجه من المجموعة الشمسية بسبب صغر حجمه في شهر أغسطس عام 2006م. وتبلغ المسافة من الشمس إلى الزهرة حوالى 108.2 مليون كم مقارناً بحوالى 150 مليون كم إلى الأرض و 75.9 مليون كم إلى عطارد (2) (وتدور الزُهرة حول الشمس في مدار دائري تقريباً وتتم دروتها في 225 يوماً أرضياً أي سبعة أشهر ونصف تقريباً بينما تدور الأرض حول الشمس في 365 يوماً.


وللزُهرة أوجه تبدو للناظر من خلال التلسكوب نتيجة تغير المسافة المضادة بأشعة الشمس، والتي تشاهد من سطح الأرض في أوقات مختلفة. ويمكن أن نشاهد الزهرة في الجانب الآخر من الشمس كل 584 يوماً، وتبدو الزُهرة كلها مضاءة بأشعة الشمس آنذاك. وعندما تقترب الزهرة من الأرض يبدو وكأن حجمها يزداد. وعندما تتحرك الزهرة ناحية الأرض تُرى مبكراً عند المساء، وعندما تتحرك مبتعدة عن الأرض تُشاهد مبكراً عند الصباح.


والزهرة هي الكوكب الوحيد في المجموعة الشمسية التي تدور حول محورها في عكس دورانها حول الشمس.

وبالرغم من أن الزهرة هي توأم الأرض إلا أن سطحها يختلف كثيراً عن سطح الأرض، وجوها محاط بسحب كثيفة من حمض الكبريت والكبريت. لذلك يستخدم الرادار، والأجهزة الفكلية الراديوية، ومركبات الفضاء لاكتشاف كوكب الزهرة ومعرفة حقائقه وعجائبه.


وسطح الزهرة حار جداً وجاف، وأظهرت الصور الفوتغرافية التي التقطت بواسطة مركبات الفضاء أن تضاريس الزهرة تتغير من مكان لآخر، وفيها الجبال والأخاديد والوديان. وهناك منطقتان للجبال على الزهرة تعادل حجم قارتي إفريقيا وأستراليا.

وبها صخور كبيرة مدببة الحواف.


ولا يوجد ماء على سطح كوكب الزهرة، وبها براكين نشطة، وغلافها الجوي أثقل من الغلاف الجوي للكواكب الأخرى ويتركب أساساً من ثاني أكسيد الكربون مع كميات صغيرة من النتروجين وبخار الماء(3). (ولا توجد حياة على سطح الزهرة نتيجة الحرارة المرتفعة وعدم وجود الأوكسجين (درجة الحرارة على سطح الزهرة تتراوح ما بين 427 و 462 درجة مئوية).

وكثافة الزهرة أقل من كثافة الأرض، فإذا كان جسم ما يزن مائة كيلوجرام على الأرض فإنه يزن 88 كيلوجراماً فقط على سطح الزهرة.


وتوالت رحلات الفضاء نحو الزهرة وأولها كان مركبة ماريز(2) عام 1962م التي وصلت على بعد 34.000 كيلو متر من الزهرة تلتها فينيرا(3) السوفينية على بعد 24.000 كيلومتر عام 1966م، وفي نفس العام وصلت فينيرا 3 إلى الزهرة وتحطمت على صخورها الجلمد. وتوالت بعد ذلك المركبات الفضائية غير المأهولة إلى الزهرة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في تنافس محموم، وآخرها مركبة ماجلان الأمريكية التي وصلت إلى الزهرة في 15 سبتمبر 1990م وأرسلت صوراً شديدة الوضوح للكوكب. (4)


 الأساطير حول الزُهرة:

وقد أحاط بالزهرة (عشتار، فينوس) كثير من الأساطير. وهي أجمل الكواكب التي تبدو لنا من الأرض، ولهذا صارت آلهة للحب والجمال. وعبدت كما أسلفنا لدى معظم أمم الأرض أما بذاتها أو في التثليث: الشمس ـ القمر ـ الزهرة.


ومما يدل على أهمية الزهرة وعبادتها ما ورد في القرآن الكريم في قصة إبراهيم عليه السلام. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ  فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ) (الأنعام: 75 ـ 79) وإبراهيم عليه السلام كان في العراق حيث كانوا يعبدون الزهرة والقمر والشمس فاتخذ هذا الموقف معهم ليقنع قومه بزيف ما يعبدون. فوقف معهم عند ظهور الزهرة فقال لهم: هذا ربي، فلما أفلت قال: لا أحب الآفلين. وهكذا انتقل بهم إلى القمر، وهو أكبر في رؤية العين، ثم الشمس. وجعل حجته في عدم عبادتها أفولها وغيابها وذهابها. (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (الأنعام: 83).


 قصة الملكين والزهرة:

جاء في التفاسير شيء مما تسرَّب من الاسرائيليات حول الزهرة التي ظهرت بصورة امرأة جميلة فأغوت الملكين حتى وقعا عليها فعذّبهما الله لذلك. وقد ورد في ذلك أحاديث الله أعلم بصحتها. قال ابن كثير في تفسيره: إنها من كلام كعب الأحبار وإليك ما قال: (5) قال الإمام أحمد في مسنده عن نافع عن عبدالله بن عمر أنه سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة أي رب (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون) قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ قالوا: ربنا، هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض، ومُثِّلَّت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الاشراك. فقالا: والله لا نشرك بالله شيئاً أبداً. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبيٍ تحمله فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا والله لا نقتله أبدا. فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تشربا هذه الخمرة، فشربا، فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً قد أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا).


قال ابن كثير: وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه.. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السُلمي، مولاهم المديني إلحذاء). وذكر ابن كثير روايات عدة عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: وقد تفرد به نافع مولى ابن عمر..


وقال: أبو جعفر بن جرير بسنده عن نافع قال: (سافرت مع ابن عمر فلما كان آخر الليل قال يا نافع طلعت الحمراء؟ (يقصد الزهرة) قلت لا، مرتين أو ثلاثاً. ثم قلت قد طلعت. قال: لا مرحباً بها ولا أهلاً. قلت: سبحان الله نجم مسخَّر سامع مطيع، قال: ما قلت لله إلا ما سمعت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إن الملائكة قالت يا ربِّ كيف صبرك على بني آدم في الخطايا؟ قال: إني أبتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنّا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. فلم يألوا جهداً أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت).


قال ابن كثير: وهذان أيضاً (أي الحديثين) غريبان جداً. وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبدالله بن عمر عن كعب الأحبار لا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما قال عنه عبد الرزاق في تفسيره عن الثورى عن موسى بن عقبة، عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار، فذكر الحديث قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نُهيا عنه.


ورواه أيضاً من طريقين عن ابن جرير عن كعب الأحبار. قال ابن كثير: فهذا أصحُّ وأثبت إلى عبدالله بن عمر من الإسنادين المتقدمين وسالم (ابن عبدالله بن عمر) أثبت في أبيه من مولاه نافع (الذي رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم)، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل والله أعلم (انتهى كلام ابن كثير).


وكعب الأحبار هو أحد أحبار اليهود من اليمن ويُدعى ابن السوداء، أسلم على زمن عمر رضي الله عنه والله أعلم بصحة إسلامه لكن له مخاريق كثيرة. وكان يقول لعمر: إنك لمذكور في التوراة فقال عمر: أمذكور باسمي؟ قال: لا ولكن بصفتك. وعندما زار عمر رضي الله عنه بيت المقدس وأراد أن يصلي سأله عمر أين يصلي؟ فقال: صلٍَّ من وراء الصخرة. فقال له عمر: يا ابن السوداء ضاهيت اليهودية ( وكانوا يصلون إليها) فصلّى عمر أمامها متجهاً إلى القبلة في مكة المكرمة. ويُروى أنه قال لعمر قبل أن يطعن أوصِ يا أمير المؤمنين فإنك ميت فإن صح ذلك فهو مشترك في المؤامرة في قتل عمر مع أبي لؤلؤة المجوسي.


ثم روى ابن كثير في تفسيره روايات متعددة عن الزُهرة، التي تشكلت بصورة امرأة جميلة أغوت الملكين هاروت وماروت حتى زنيا بها وشربا الخمر فقتلا وأشركا بالله وهما سكرانان. وقال عن هذه الروايات العديدة منكرة ولا تصح. وأن علياً رضي الله عنه قال: لعن الله الزهرة فإنها هي التي فتنت الملكين. وقال هذا أيضاً لا يصح وهو منكر جداً.


وبعد أن أطال ابن كثير في ذكر هذه الروايات جعلها كلها لا تصح ومنكرة وباطلة إلا ما رواه سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه عن كعب الأحبار فدار الحديث وانتهى إلى الكذاب كعب الأحبار اليهودي ابن السوداء. وقال ابن كثير: وحاملها (أي هذه الروايات العديدة) راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فنحن نؤمن بما ورد في القرآن الكريم على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال. (6)

 

الزهرة في الطب:

تُسمّى الكمية المتجمعة من الدهن فوق العانة والجهاز التناسلي الخارجي في المرأة (جبل الزُهرة mons veneris على اعتبار الفرج والشفران الكبيران والصغيران يمثلان الزهرة ذاتها.


وهذه التسميات قديمة منذ عهد اليونان وجالينوس، وهو يوضح ارتباط الزهرة بالجهاز التناسلي للمرأة. ومنها ظهرت تسمية الأمراض الزُهرية Venereal Diseases أي الأمراض المتعلقة بالعلاقات الجنسية، وقد تم تجاهل هذا الاسم في الربع الأخير من القرن العشرين وأطلق عليها اسم الأمراض الجنسية STD Sexually transmitted Diseases  والأمراض الزهرية (الجنسية) كثيرة جداً. وتقول المصادر الطبية (7): إن الأمراض الناتجة عن طريق الجنس هي أكثر الأمراض المعدية انتشاراً في العالم اليوم. ويزداد عدد المصابين بهذه الأمراض باطراء. فعدد المصابين بالسيلان (الجونريا Gonoryhea) كما تقدره منظمة الصحة العالمية أكثر من مائتي مليون شخص كل عام. كما أن المصابين بالكالميديا والتهاب مجرى البول الجنسي من غير السيلان قد وصلوا إلى خمسمائة مليون شخص كل عام. وعدد المصابين بالزهري يفوقون خمسين مليون شخص كل عام. وعدد الذين لاقوا حتفهم بسبب مرض الإيدز منذ ظهوره عام 1981م وحتى الآن 2006م قد جاوزوا أربعين مليوناً. وهناك الملايين الذين يصابون بهذا المرض الخطير كل عام، وهناك الملايين الذين يعانون من هربس التناسل. وتشهد إفريقيا (تحت الاستوائية) وباء الإيدز المنتشر بصورة خطيرة جداً بالإضافة إلى الأمراض الزهرية المعروفة مثل السيلان والقرحة والرخوة hancroid.


والورم المغبني الجيبي Granuloma Inguinale والورم البلغي الجيبي الزهري Lymphogranuloma Venereure بالإضافة إلى الثأليل الجنسية Genital Warts والجرب Scabies وخاصة في منطقة العانة، القمل العاني.

وأضيفت إلى القائمة طفيليات الترايكومونس Trichomonos وفطريات الكانديدا Candidiasis والميكروبات السبحية من فصيلة Streptococci B وميكروبات هيموفيلس المهبلية Hemophilus Vaginalis.


ولم تعد هذه الأمراض تصيب الجهاز التناسلي فحسب، وإنما نتيجة للشذوذ الجنسي فإن الشرج والقناة الشرجية هي مرتع لكثير من هذه الأمراض، بل وجدت ميكروبات السيلان في الفم وفي الحلق، وعلى اللوز نتيجة أنواع الشذوذ، كما قد يصاب المواليد، وخاصة في عيونهم عند الولادة ومرورهم من المهبل المصاب بالكلاميديا أو السيلان.


كما أن هناك أمراضاً زهرية (جنسية) تصيب المواليد بسبب انتقال بعض الميكروبات والفيروسات من الأم الحامل إلى جنينها، وأشهر هذه الأمراض (الإيدز) فيروس نقص المناعة والزهري الولادي.

هذا بالإضافة إلى إصابة ملايين الأطفال في العالم بالأمراض الجنسية بسبب الاعتداءات الجنسية التي تبدأ من سن مبكرة جداً. وهي جريمة بشعة بكل المقاييس.


وبعض هذه الأمراض الزهرية (الجنسية) معروف وموصوف منذ عهد جالينوس مثل السيلان، وبعضها لم يكن معروفاً مثل مرض الزهري (السفيلس Syphilis) الذي كان مجهولاً في العالم القديم (أوروبا وآسيا وإفريقيا) وانتقل بعد اكتشاف الأمريكتين إلى أوروبا.


وقد ظهر الزهري في أوروبا لأول مرة بعد الحرب الإيطالية الفرنسية عام 1494م وأسماه الفرنسيون الداء الإيطالي، وأطلق عليه الإيطاليون الداء الفرنسي. بل وأُطلق عليه داء لويس لإصابة أحد ملوك فرنسا به. وبما أن الزهري كان يسبب سقوط الشعر في مرحلته الثانية، فقد انتشرت الباروكة (شعر الرأس) في أوروبا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، ولبسها الملوك واللوردات والأمراء والقضاة والمحامون... الخ. وذلك لتغطية التآكل البشع في شعر الرأس.


وقد أصيب عدد كبير من ملوك وأساقفة أوروبا بهذا الداء العضال ومن أشهرهم الكاردنيال ريشيليو رجل فرنسا القوي بالإضافة إلى الملك لويس. كما أصيب به نابليون وآخر المشاهير الذين أصيبوا به وماتوا بسببه لينين قائد الثورة البلشفية.

وعندما غزا الأوروبيون الشام (سوريا الكبرى) نقلوا معهم هذا المرض الخبيث وعرفه العرب باسم (الداء الفرنجي).


وقد استمر هذا الداء يفتك المصابين به بعد أن يعذبهم دهراً طويلاً (يستمر لعدة عقود قبل أن يقضي على المصاب به)، ولم يكن له علاج ناجع لمدة أربعة قرون منذ عام 1494م وحتى عام 1946م عندما بدأ استخدام البنسلين الذي يعتبر علاجاً نافعاً وناجعاً لهذا المرض الخبيث. ولكن بما أن المرض يتخفّى بأشكال متعددة ويصعب أحياناً تشخيصه إلا في مراحل متأخرة فإن ضحاياه استمروا في الظهور إلى يومنا هذا. ويقول الدكتور آريا في كتابه (الأمراض الجنسية في المناطق الاستوائية) (8): (إن الزهري بكافة مراحله لا يزال منتشراً في المناطق الاستوائية (في إفريقيا). وفي منطقة شرق آسيا. فإن عدد الحالات قد انخفض بالنسبة لما كان عليه في الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن (أي القرن العشرين).


فضيحة توسكاجي:
وهي إحدى مخازي الولايات المتحدة العنصرية البغيضة حيث تمت تجربة على أربعمائة مصاب بمرض الزهري من السود في منطقة ريفية تدعى توسكاجي في ولاية ألاباما. وقد وافق مجلس الخدمات الصحية العامة على إجراء هذه التجربة والتي بدأت عام 1932م وتم اختيار المرضى من السود الأميين الفقراء الجهلة، وتمَّ إيهامهم بأنهم سيعطونهم علاجاً لمرضهم، واستمرت عملية خداع هؤلاء المساكين وكانوا يغرونهم بوجبات ساخنة عند دخولهم للمستشفى وإجراء الفحوصات عليهم، وأخذ عينات من الدم والنخاع الشوكي وأخذ عينات من أعضائهم المختلفة لدراستها، وإعطائهم مادة غفلا ليس فيها أي دواء رغم ظهور البنسلين بعد الحرب العالمية الثانية وانتشار استخدامه على نطاق واسع منذ عام 1952م. وقد أصرت الإدارات الطبية المتعاقبة على عدم إعطاء هؤلاء المساكين هذا العقار الفعال وتركتهم يموتون بسببه وعند موت أحدهم تتكفل الإدارة الصحية بإجراءات دفنه بشرط أن يأخذوا منه أعضاء لدراستها وجعلها في المتحف الطبي.!!


واستمرت هذه الجريمة البشعة رغم معارضة بعض الأطباء لها حتى عام 1972م عندما قام أحد الأطباء بنشر تفاصيل هذه الجريمة الشنعاء في الصحافة مما أثار الرأي العام. وفي العام التالي اعترفت الإدارة الطبية بأن هذه التجربة البشعة لا تحقق أي فائدة علمية، وتم إيقافها عام 1973م.


وقد مات غالبية من أجريت عليهم هذه التجربة بويلات الزهري كما أصيب العديد من أفراد أسرهم رغم توفر علاجه، وقد اضطر الرئيس كلينتون إلى الاعتذار رسمياً للسود في أثناء ولايته الثانية وبالذات في 6 مايو 1997م حيث وقف الرئيس كلينتون أمام أجهزة الإعلام، وهو يحتضن العجوز الوحيد الباقي على قيد الحياة من المجموعة التي أجريت عليها التجربة البشعة، ثم قال: (إن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قامت بشيء بشع وخاطئ بكل المقاييس أخلاقياً ووطنياً، وإنها لصفعة لكل قيمنا، وهي عنصرية بغيضة ووقحة ضد هؤلاء التعساء الذين عانوا وماتوا بسبب تجارب طبية لا فائدة منها). ورغم ذلك الاعتذار فإنه لم يتم تعويض أي أسرة من أسر هؤلاء السود. بينما تم تعويض كل أسرة من ضحايا لوكربي بواسطة الحكومة الليبية بمبلغ عشرة ملايين دولار!!


وفي الولايات المتحدة يصاب حوالى أربعمائة ألف شخص بالزهري سنوياً نتيجة الزنا واللواط ولكن إذا تم التشخيص فإن العلاج متوفر وبسيط وناجع ويتمثل بالبنسلين الذي يعطى على هيئة حقن طويلة المدى.


وكما أسلفنا فإن الزهري ظهر لأول مرة في أوروبا عام 1494م بعد الحرب الإيطالية الفرنسية. وقد وصف شاعر طبيب إيطالي يدعى فراكتسوريس (Fractosorius) مرض الزهري بقصيدة بليغة ومؤثرة تصف مريضاً إيطالياً أسمه سيفلوس وذلك عام 1521م. ويبدو أن المرض أخذ هذا الاسم بعد ذلك، وقد وصفت هذه القصيدة الرائعة مأساة ذلك الراعي الإيطالي بدقة وبراعة، ووصفت حالة ملايين الأنفس في أوروبا التي كانت تعاني من نفس المرض. لهذا تمت ترجمتها إلى كافة اللغات الأوروبية وانتشرت انتشاراً واسعاً آنذاك، ومنذ ذلك الحين أصبح اسم السفيلس على كل لسان.

وانتشر الزهري مع الرجل الأوروبي أينما ذهب، فنشره البرتغاليون والأسبان في أصقاع آسيا وإفريقيا اللاتينية. ثم نافسهم بعد ذلك الهولنديون والانجليز والفرنسيون.


ويمر الزهري بثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: قرحة قاسية على مكان الاتصال الجنسي في الذكر أو في الأنثى (الجهاز التناسلي للرجل والمرأة أو في حالة الشذوذ في الشرج أو في الفم). وقد ينتقل من هذه القرحة بواسطة القبلات أو المس إلى أي عضو من أعضاء الإنسان الظاهرة. وهذه القرحة غير مؤلمة إلا فيما ندر، وتختفي تلقائياً بعد أسبوعين بدون علاج.


المرحلة الثانية:
وتظهر بعد اختفاء القرحة بشهرين إلى ستة أشهر، ويأخذ الطور الثاني مئات المظاهر الاكلينكية.. وأغلبها على هيئة طفح جلدي يعم البدن كله، وهو طفح غير مؤلم وغير مسبب للحكة، وبمجرد مصافحة مثل هذا الشخص فإن العدوى تنتقل إلى الإنسان السليم دون اتصال جنسي. ثم تحدث تورمات ثولولية Conlylomata  في الأماكن الرطبة مثل الفرج والشرج. ويبدأ شعر الرأس بالتساقط بشكل بشع غير منتظم ويبقى هذا الدور من ستة أشهر إلى سنتين. ويكون هذا الشخص معدياً لكل من لامسه، كما أن دمه مُعْدٍ أيضاً.


المرحلة الثالثة: تظهر بعد فترة زمنية تتراوح ما بين خمس إلى خمس عشرة سنة، ولا يترك ميكروب الزهري جزءاً من الجسم إلا هاجمه هجوماً فظيعاً. فالقلب والأوعية الدموية وخاصة الابهر (الاورطي) تكون محل هجوم عنيف يؤدي إلى انتفاخ الاورطي (أم الدم الابهري Aortic Aneurysm) الذي قد ينفجر فيقتل المريض.


ويصاب الجهاز العصبي بأكمله ابتداء من السحايا Meninges إلى الأوعية الدموية للدماغ والنخاع الشوكي إلى الأنسجة العصبية في الدماغ والنخاع الشوكي، وقد تؤدي إصابة الدماغ إلى الشلل العام مع الجنون General Paralysis of The Insaneses) أما إصابة النخاع الشوكي فتؤدي إلى شلل بالأطراف وفقدان الاحساس ويعرف باسم التيبس الظهري Tabes Dorsalis. وتصاب العظام والمفاصل والعضلات والأحشاء الداخلية مثل الكبد والطحال والكلى والمثانة والخصيتين والمبايض والعين... ولا يكاد يفلت عضو من أعضاء الجسم من غائلة الزهري ولهذا أطلق الأطباء على مرض الزهري لقب المحتال أو المخادع الأعظم The great Imposter، لأنه قد يشبه أي مرض من الأمراض، مما يجعل الطبيب يحار في أمره. وكان على الطبيب في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين أن يفترض أن أي مرض هو الزهري حتى يثبت العكس.


أما الزهري الخلقي أو الولادي Congenital Syphilis فينتقل من الحامل إلى جنينها مما يؤدي أول الأمر إلى الإجهاض أو إلى ولادة طفل ميت، ثم في الحمل التالي يظهر طفل حي مصاب بمجموعة من الأمراض التي قد تقضي عليه مبكراً وفي الحمل الرابع أو الخامس يعيش المولود غالباً ولكنه يعيش مشوهاً نتيجة لإصابة معظم أعضاء الجسم بالزهري الولادي.


والعلاج في جميع الحالات البنسلين. وإذا أخذت الحامل البنسلين كان ذلك شفاء لها ولجنينها. وإذا تم العلاج مبكراً في المرحلة الأولى أو الثانية فإن الزهري يُقضى عليه، بينما إذا تأخر العلاج فإن الضرر يكون قد حصل. ويمكن بالتالي إيقاف التدهور فقط.

 

سبب الزهري:
هو ميكروب صغير من فصيلة اللولبيات Trepenoma أو البريميات Spirochetes وتدعى اللولبية الشاحبة T. Pallidum وهي تشبه الأفعى في شكلها وتقلصاتها وتخفيّها. وهي لا تستطيع العيش إلا في الخفاء فإذا تعرضت للجفاف أو الشمس أو المطهرات مثل الديتول هلكت وبادت. لذا فهي تتستر ما استطاعت إلى ذلك سبيلا حتى تلدغ ضحيتها غير آبهٍ بها ولا شاعر بخطورتها. وتبقى في الأغشية الرطبة ثم تنتشر في بقية الجسم.


وتكون المرحلة الأولى والثانية من المرض معدية للآخرين أما المرحلة الثالثة فإنها في الغالب غير معدية.

ويعتمد التشخيص على الصورة الاكلينكية وعلى أخذ عينة من القرحة أو من الجلد أو الأنف ورؤية الميكروب تحت الميكروسكوب (المجهر) في بيئة مظلمة Dark ground illumination  ثم هناك فحوصات مصل الدم serology tests التي تصبح إيجابية بعد حوالى شهرين من الإصابة الأولية.


ورغم أهمية هذه الفحوصات المعملية المخبرية إلا أن أغلبها لا تؤكد بصورة قطعية الإصابة بلولبيات الزهري ما عدا فحص تثبيت البريمة الشاحبة وفحص البريمة الشاحبة التلزن الدموي T. Pallidum hemagglutination assay وفحص التألق لمضادات الأجسام الممتصة بالبريمة الشاحبة fluroscent treponemal antibolies absorbed (FTA-abs)، وهذه كلها تثبت أن المريض قد أصيب بلولبيات الزهري. ولكن هذه الفحوص لا تفرق بين مرض بيجل (bejel) وهو زهري غير جنسي منتشر في بادية الشام والعراق وشمال الجزيرة العربية وجنوبها إلى اليمن، كما أنه موجود في السودان وأرتيريا والحبشة وإفريقيا.


وقد ذكرنا هذا التفصيل لأن بعض الأطباء وخاصة من الشباب إذا وجد فحص VDRL إيجابياً اعتبر ذلك دليلاً كافياً للإصابة بمرض الزهري الجنسي، وبعضهم يصل به الشطط إلى اتهام المريض بالزنا أو العلاقات الجنسية المحرمة. وهو أمر خطير ومحرم للأسباب التالية:

أولاً: إن هذا الفحص VPRL ليس دليلاً على الإصابة بمرض الزهري وقد يحدث من أمراض أخرى.

ثانياً: إن الفحوصات المصلية التي تثبت وجود اللولبيات إلا أنها لا يمكن أن تفرق بين مرض بيجل (الزهري العربي غير الجنسي) ومرض بنتا Pinta  ومرض يوز Yaws وكلها تسببها لولبيات مشابهة تماماً للولبيات الزهري.. وهذه الثلاثة (بيجل وبنتا ويوز) لا علاقة لها بالأمراض الجنسية.


ثالثاً: إن إثبات الزنا لا يتم شرعاً إلا بأربعة شهود رأوا العملية الجنسية رأي العين. فإن لم يروا ذلك فلا تقبل شهادتهم، ويجلدون حدّ الإفك ثمانين جلدة.

رابعاً: إن وظيفة الطبيب هي مداواة المرضى. وهذا واجبه الأول والأخير فإن كشف سرَّ مريضه فقد خان الأمانة. ووجبت عليه العقوبة.

وهذا تنبيه هام للشباب المتدين من الأطباء الذين يدفعهم حماسهم أحياناً إلى أخطاء مرعبة.


الهــوامـــش

(1)    دائرة المعارف الإسلامية (مجموعة من المستشرقين، ترجمة أحمد الشنتناوي وإبراهيم زكي خورشيد وعبدالحميد يونس) ج10/452 ـ 455.

(2)   الموسوعة العربية العالمية ج11/ 620 ـ 623

(3)   المصدر السابق (الموسوعة العربية العالمية)

(4)   المصدر السابق

(5)   ليست واضحة؟؟؟؟؟؟

(6)   أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي: تفسير القرآن العظيم، طبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة ج1/ 141

(7)   مرجع مركز العملي Merk Manual (الطبعة 14 لعام 1982).


وكتاب ألف باء الأمراض الجنسية ABC sexually Transmitted Discasas الطبعة الرابعة لعام 1999م.

وكتاب كومار وكلارك (الطب الاكلينيكي) Clinical Medicine  الطبعة الخامسة لعام 2002م

(8)   أريا وأوسابا وبينت: الأمراض الجنسية في المناطق الاستوائية

Aryao,Osaba A, Bennetti F.: Tropical Venereology, Churctnill Living story, London 1980 PP 26,27