التَطَوّر . . بـين أسـباب الماضي والحاضر
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



أ.د. عبدالإله بن مصباح

إذا أردنا أن نزن التطور بميزان الزمن الجيولوجي الذي يُعد بملايين السنين، كان لا بد لنا من إلقاء الضوء على مبدأ السببية من خلال مقارنة تحليلية بين أسباب الماضي الجيولوجي وأسباب الحاضر. لأنه إذا كان المنطق الدال على ترابط الأسباب بمسبباتها يقضي بأن لكل سبب مسبب وأن نفس الأسباب في نفس الظروف تؤدي إلى نفس الغايات، فإننا بفعل تدخل البعد الزمني سنجد أنفسنا أمام إشكالية: هل يحق لنا أن نعتبر أن الأسباب التي تحكمت في ماضي الأشياء هي التي تتحكم في حاضرها، أم أن هناك تطورا في الأسباب يقف ضد إسقاط أسباب الحاضر على وقائع الماضي ويمنعنا بالتالي من تفسير آثار الماضي بمعطيات الحاضر؟


هذه إشكالية تطرح نفسها بإلحاح في جميع الدراسات المهتمة بتحديد علاقة الكائن بمحيطه والقائمة على مقارنة الماضي بالحاضر وخاصة المتعلقة منها بالحقب الزمنية المتقادمة في عمق التاريخ. فإعادة تقويم هذه العلاقة ارتكازا على الميكانيزمات المتحكمة في مثيلاتها الحالية غالبا ما يوقع البحث في منزلقات تفضي به إلى استنتاجات خاطئة.

فلو رجعنا إلى أطوار التكوين فسنجد أن الأسباب تدرجت مع الزمن في تسلسل متتابع غايته تهيئة الأرض لاستقبال الإنسان الموكل إليه خلافة الأرض، بحيث اتضح علميا بما لا يتعارض مع كتاب الله ميلاد الكون من دخان ثم انتظامه في مجرات ثم تموضع الأرض في مدارها فإفراز بخار الماء من جوفها وتكون غلاف جوها الذي مهد لظهور الحياة بإنزال المطر على سطحها وتفتيت صخرها ثم تحليل مركباته التي توضعت فيما بعد لتكون أولى الطبقات الرسوبية التي عليها ستدب الحياة.

في هذه المحطة الأخيرة التي لعبت دورا أساسيا في تهيئة السطح لاستقرار الحياة، نجد أن عملية الترسيب التي جاءت كنتيجة حتمية لتسطيح الأرض، لم تجر وفق نفس الإيقاع عبر الزمن الجيولوجي. فقد أنتجت الأرض في فتراتها الأخيرة الممتدة من الزمن الجيولوجي الأول إلى الرابع والمقدرة بخمسمائة مليون سنة أضعاف ما أنتجته من الرواسب في فتراتها المتقدمة الممتدة على طول العصر ما قبل الكمبري المقدر بأربعة ملايين سنة، وذلك راجع إلى تطور وجه الأرض من سطح بركاني صلد عند بدء التكوين إلى طبقات رسوبية توضعت مع الزمن انطلاقا من تحليل صخور هذا السطح لتشكل فيما بعد موردا تزايد إنتاجه للرواسب بوتيرة متصاعدة بفعل آليات التفتيت الميكانيكي والتحليل الكيميائي التي تصاعدت حدتها مع ظهور الحياة على سطح الأرض.

هذا التطور الذي تظهر بصماته في مكنونات الطبقات الصخرية المتراكبة عبر الأزمنة الجيولوجية يطرح جدلا واسعا بخصوص مسألة المنهجية المتبعة في التحاليل الجيولوجية ويضطرنا حتما إلى تحديد المعايير المعتمدة في معالجة وتفسير أسباب الماضي الجيولوجي وميكانيزمات التطور . فإذا كانت آليات العمل في البيئات الجيولوجية الحالية تشكل أدوات ملموسة لفهم توازنات الطبيعة الحالية، فهي تبقى من حيث معالجة الماضي مجرد نماذج للاستئناس ولا ترقى إلى مستوى النماذج الأساسية لتفسير وقائع الماضي وإلا فسيقع البحث في مغالطات نظرا لكون الوقائع المرسخة في الطبقات القديمة قد تكون نتجت عن أسباب قديمة مختلفة تماما عن الأسباب الحالية.

ففي كثير من الدراسات الجيولوجية بينت التشكيلات الرسوبية أن علاقة الارتباط القائمة بين الكائن البيولوجي ومحيطه الترسيبي التي عليها تتأسس معالم التطور في البيئات الطبيعية المعينة بالزمان والمكان لم تتحدد بين الماضي والحاضر بنفس الأسباب رغم وجود قواسم مشتركة بين مكونات وعناصر حاضر البيئات وماضيها. وهذا ما أدركناه، مثلا في الطبقات الرسوبية لمنطقة سفوح الريف الجنوبية بالمغرب حيث اتضح لنا أن المنطقة شهدت في العصر الجوراسي الأوسط أي قبل ما يناهز 180 مليون سنة ترسبات بحرية ترتبت فيها الطبقات الكلسية والطينية في تتابع مستمر سمحت شروطه الترسيبية بتواجد ثلاثة أصناف من الحيوانات القوقعية (Trigonia-Astarte-Pholadomya) في نفس الطبقة الرسوبية مما يعني أنها تعايشت في نفس الوسط المائي المحدد آنذاك بخصائصه المتميزة، مع العلم أن الدراسات الاستكشافية للبيئات البحرية الحالية تفيد أن صنف Trigonia يعيش في المياه الحارة لسواحل استراليا وصنف Astarte في المياه الباردة بينما يتواجد صنف Pholadomya في أعماق المحيطات.

ومن المفارقات العجيبة التي شكلت لغزا محيرا في تاريخ الأرض ظهور حيوانات عملاقة ثم انقراضها قبل ملايين السنين من مجيء الإنسان إلى الأرض. فقد دلت حفريات عديدة في مناطق مختلفة من العالم على وجود آثار وبقايا لمخلوقات ضخمة عرفت باسم الديناصورات منها من يمشي على الأرض ومنها من يطير في السماء. كما اكتشف باحثون في منطقة دمنات بالمغرب(1) بالإضافة إلى بقايا عظام ضخمة هيكلا عظميا لواحد من هذه الكائنات العملاقة سُمي Cetiosaurus maghrebiensis ووُجدت بصمات أقدام لهذه المخلوقات محفوظة في منطقة إلوغمان شمال منخفض آيت عتاب فوق سطح طيني أحمر يعود لبيئة قارية قديمة. ويصل أثر حجم القدم من 20 إلى 80 سنتمتر وعمقه إلى 15 سنتمتر داخل الطين مما يبين مدى ضخامة أجسام هذه المخلوقات وكيف كانت تتلاءم مع بيئات الأرض آنذاك حيث وُجد أن منها من يتغذى على العشب فيلتهم غابات بأكملها. وسادت هذه الكائنات الأرض زهاء 165 مليون سنة إلى أن حدث طارئ أدى إلى تغيير مفاجئ لبيئات الأرض وانقراض هذه الأشكال المهولة قبل 65 مليون سنة من زماننا.

ومما حير الباحثين في هذا المجال، الشكل المفاجئ الذي تم به انقراض هذه الأصناف الغريبة والذي يعتبر إلى يومنا هذا لغزا غامضا. فمن جملة التفسيرات التي أُعطيت لهذا الحدث هناك على العموم توجهان رئيسيان : التوجه الأمريكي والتوجه الفرنسي.

 أما الأمريكيون (Alvarez & al.)(2) فيفسرون ذلك بنظرية النيزك التي تفيد أن القضاء على الديناصورات حدث عقب كارثة بيئية أصابت الأرض بعد اصطدامها بنيزك. وعللوا ذلك بوجود مادة  الإرديوم  في أماكن مختلفة من الأرض داخل صخور يرجع تاريخ تكوينها إلى 65 مليون سنة قبل زماننا. واعتبروا هذه المادة التي توجد مركّزة في النيازك و المذنبات دليلا على تعرض الأرض في هذه الحقبة لانفجار هائل أحدثه وقع النيزك على سطحها.

وأما الفرنسيون (Courtillot & al.)(2) فقد أرجعوا حادثة انقراض الديناصورات إلى كارثة بركانية حدثت قبل 65 مليون سنة ولم تشهد الأرض مثيلا لها بعد ذلك. حيث اكتشفوا وجود حمم بركانية هائلة عند سفوح جبال التبت دلت تحليلاتها على حدوث انفجارات بركانية هائلة في سطح الأرض على امتداد خمسمائة ألف كلم أدّت إلى تدفق بحر من الحمم غطت مساحات شاسعة على سمك يقارب ألفي متر وتسببت في إفراز غازات سامة كغاز الكربون والكبريت والكلور والفليور شكلت سحابا هائلا حجب أشعة الشمس عن الأرض وأدّى إلى تجميد المياه وتغيير التوازن البيئي لكوكب الأرض مع انقراض معظم أصناف  المخلوقات.

وهكذا فرغم تباين النظريتين في الشكل فإنهما يتوافقان في المضمون حيث يستفاد من سياق الأحداث أن انقراض هذه العماليق المرعبة يعبّر عن قطيعة تاريخية بين وضع بلغ ذروته وآخر يبحث عن نفسه، مما يوحي بأن هناك مركز تدبير فائق يعمل على تهيئ الأسباب لإيجاد التوازنات وخلق البيئات الملائمة لكل وضع آتي. فيقضي على الذي طغى ويهيئ الأرض لمن سيأتي حتى لا يختل ميزان التطور الذي أقره الله في خلقه، وإلاّ فما كان سيكون مصير الإنسان لو وُجد قبل أوانه مع تلك المخلوقات الرهيبة.

فكما حدث هذا قبل 65 مليون سنة وانقرض من الأرض زهاء ثلثي كائناتها الحية فكذلك حدث من قبل انقراض تسعة أعشار الكائنات ما بين العصر الجيولوجي الأول والثاني أي قبل 250 مليون سنة. ثم استمرت الحياة وتكاثرت الخلائق بتعاقب الأزمنة وتغيّر بيئاتها فتفرّعت أصناف الخلق وتشعّبت أمما حتى توّجت بمجيء الإنسان صاحب الفكر والروية كما نستشف ذلك من قول الله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ) (السجدة: 7).

هذا التغير في الأسباب الذي هو أساس عامل التطور يمكن استنباطه من حديث لرسول الله  أكد فيه مبدأ التحول في بيئات الأرض عبر الزمن وذلك من خلال وصفه لما ستؤول إليه بيئة الجزيرة العربية في زمن لاحق حيث قال : (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه وحتى تعود أرض العرب مروجا و أنهارا) (رواه مسلم في صحيحه ـ كتاب الزكاة ح60 ج7 : 97 وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج2 : 370 ـ 417). فهذا الحديث الشريف ينص على أن بيئة الجزيرة العربية التي هي الآن عبارة عن صحراء قاحلة ستصير في آخر الزمان كما كانت عليه من ذي قبل مروجا وأنهارا. وهو ما يمكن الوقوف عليه من خلال معاينة نتائج الدراسة التي قام بها عالم الرواسب الفرنسي  B.H. Purser (1983)(3) لمنطقة الخليج المحاذية للجزيرة العربية حيث استنتج أن التحرك المستمر لصفيحة شبه الجزيرة العربية يؤدّي إلى تغيير البيئات الطبيعية للمنطقة. ويقترن ذلك مع انفتاح البحر الأحمر على حساب انغلاق الخليج.

فلقد تم اكتشاف آثار أودية في عمق 120 متر بخليج عُمان بيّنت تحليلاتها الرسوبية أن الخليج كان قبل عشرين ألف سنة عبارة عن أرض يابسة تخترقها أنهار ووديان كثيرة تصب مباشرة في المحيط الهندي. لكن بعد الحقبة الجليدية الأخيرة أدّى ذوبان الثلوج إلى طغيان مياه المحيط الهندي الذي غمر المنطقة في وقت وجيز قُدّر فيه اجتياح المياه بمعدل 100 إلى 120 متر في السنة فتكوّن بحر الخليج وانعزل عن المحيط بشكله الخاص وخصائصه التي تختلف تماما عن خصائص سلفه المحيط الهندي.

أما الترسبات التي يتلقاها الخليج فهي ناتجة عن تعرية جبال زاكروس الإيرانية الغنية بالمواد السليكونية وتوضع الرواسب الكلسية المحملة من هضاب الجزيرة العربية بالإضافة إلى زحف الرواسب من جهة الشمال عبر نهري دجلة والفرات اللذين يلتقيان عند المصب في شكل دلتا ويُلقيان بكميات كبيرة من الرواسب في الخليج، حيث ُيحتمل حسب نفس الدراسة أن يسجل الخليج نظرا لامتلائه بالرواسب انخفاضا موازيا لمنسوب المياه ينذر بتراجع بحر الخليج وظهور أراضي يابسة تذكّر بالحالة التي كانت عليها المنطقة قبل الحقبة الجليدية الأخيرة.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأرض تشهد تسلسلا محكما لأطوارها وأنّ تدرج المخلوقات عبر هذا التسلسل يجري في سياق يتناسب مع التطور العام لبيئات الأرض. فقد دلت دراسة الحفريات وبقايا الأصناف الغابرة على أن مخلوقات انقرضت بينما أخرى ظهرت.

وبينت مقارنة الخصائص الوراثية لأنواع معيّنة من الخلق أن الأصل ثابت وأن التغييرات لا تشمل إلا الصفات الظاهرة والسلوك الذي يربط الكائن بمحيطه حيث يتغيران مع ظروف البيئة بحدوث بعض التنقيحات في مواصفات الكائن بما لا يتعارض مع مشيئة الله كما نص كتابه على ذلك في قوله تعالى: (يَزِيدُ فِى الخَلْقِ مَا يَشَاءُ) (فاطر: 1).

وهذه التغييرات التي تلعب في اتجاهات متشعبة ليست وليدة الصدفة أو من عمل الطبيعة كما يزعم الفكر المادي، ولكنها من صنع موجد الوجود الذي خلق فقدّر وانتقى ما شاء واختار مصداقا لقوله ـ عز وجل:(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص: 68) ولقوله أيضا: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان: 2).

أما ما ذهب إليه الغير في مفهوم التطور من معتقدات جعلتهم يتصورون انحدار جميع المخلوقات من أصل واحد، وما أحدثته الأفكار الداروينية حول أصل الأنواع والانتقاء الطبيعي من تأثير على مسار الفكر العلمي، فإن التجارب بينت فيما بعد أن كل ذلك ما هو إلا محض افتراء لأن تغيير صفة معيّنة في أي كائن لا ينتقل بالضرورة عبر الوراثة إلى الأجيال المنحدرة منه، وإذا قبلنا بفكرة التغيّر النوعي استجابة لظروف البيئة باكتساب خصائص تتلاءم مع تلك البيئة ثم تنقّلها وراثيا إلى السلالات اللاحقة، فكيف نفسر بقاء حيوانات ونباتات بدائية رغم تطور بيئاتها. ولذلك ونظرا لعدم وجود المعطيات الدقيقة الكافية في علم الوراثة زمن داروين، حيث لم يستند في بحوثه حول العلاقات الوراثية عند الإنسان على أية آليات جينية تبرر نظريته، فإن هذه الأخيرة بقيت محل جدال ويُطرح حولها أكثر من سؤال.

ولذلك ينبغي على العاقل أن يدرك أن الذي أوقع هذا التطور وتحكم في أسبابه أجراه بإحكام تام يتوافق ومتغيرات الزمان والمكان دون أن يعتري قانون الطبيعة خلل أو أن يمس نظامها عطب على عكس ما يتصور الفكر المادي من احتمال الخطأ في الطبيعة أو فعل الصدفة في مجريات أحداثها. فالخالق ـ سبحانه ـ لما خاطبنا بقوله تعالى: (مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ) (الملك: 3) لمح لنا من خلال الخطاب أنه ـ عز وجل ـ رتب الخلق ترتيبا زمنيا يتدرج بتناغم بديع مع تطور الوجود بحيث هيأ الأسباب بشكل يتناسب وظروف الفترة التي ستوجد فيها الخليقة معينة بأجلها المحدد الذي لا ينبغي لها أن تسبقه أو تتأخر عنه بحكم قوله ـ سبحانه وتعالى: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) (الحجر: 5).

وهذا الحكم ينطبق على سائر الخلائق كما نستشف ذلك من قوله ـ عز وجل: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأنعام: 38). فقدر ـ سبحانه ـ الأسباب بآجالها وطبع كل فترة بأمر موقوف عليها. وكل أمر مقدر حدده في وقته المعلوم وصرف ما شاء إلى أجل مسمى عنده، فقال وهو أصدق القائلين: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ) (الرعد:  39).
وفي تفسير هذه الآية يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ: (أي لكل مدة مضروبة كتاب مكتوب بها وكل شيء عنده بمقدار. ويعني أيضا لكل كتاب أجل أي مدة مضروبة عند الله ومقدار معين). ويقول القرطبي ـ رحمه الله: (أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت ووقت معلوم. والمعنى لكل مدة كتاب معلوم وأمر مقدر).

وعنه ـ رحمه الله ـ أن عليا ابن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قال: (يمحو الله ما يشاء من القرون كقوله (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ القُرُونِ) (يس: 31) ويثبت ما يشاء منها كقوله: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) (المؤمنون: 31) فيمحو قرنا ويثبت قرنا). ثم أضاف ـ رحمه الله ـ أن (لا تبديل لقضاء الله وهذا المحو والإثبات مما سبق به القضاء لأن من القضاء ما سيكون واقعا محتوما وهو الثابت ومنه ما سيكون مصروفا بأسباب وهو الممحو والله أعلم).

وهكذا فمن سياق هذا التوجيه الرباني يبدو أن هناك ثوابت تدير العلاقة الأزلية القائمة بين الأسباب وظرفيتها الزمانية والمكانية لا تسمح بأي تقديم أو تأخير في آجالها. فإذا نحن أسقطنا أسباب الواقع الحالي على مجريات الماضي لفهم هذا الماضي وإعادة تقويمه فسنكون قد استعملنا الاستنتاجات التي كان من المفروض أن نصل إليها عن طريق الاستدلال مكان الوسائل المعتمدة في البرهنة والإثبات. وهذا ما لا يصح باعتبار أن البيئات القديمة هي نتاج توازنات معقدة لنظم مختلفة عن الحالية تداخلت فيما بينها في فترات محددة من تاريخ التطور اللارجعي للأرض وطبعت كل فترة بأسباب زمكانية موقوفة عليها. وبما أن المكان لا يصير له مدلول إلا بمعالجته من زاوية الزمان،

وحيث إن الباحث يجد نفسه أمام أحداث مضت وكائنات انقرضت ولم يعد لها مثيل في الواقع الحالي، فإن منهجية البحث في هذا الميدان تستدعي اعتماد وسائل خاصة تمكن من إدراك الأسباب القديمة انطلاقا من ثوابت التفاعلات التي تشهد بها الآثار الراسخة في مخلفاتها وليس من خلال نقل الخصائص الوظيفية المتعارف عليها حاليا واعتمادها كنماذج جاهزة لتفسير الماضي.

فمنطق الإنسان القائم على الفهم والقياس والاستدلال قد يكون مخطئا وقد يكون صائبا، الشيء الذي يستدعي مراجعة موقع الفكر الإنساني من متغيرات الطبيعة باعتبار الإنسان متفاعلا معها تخضع قياساته لمرجعية نسبية محددة بأبعاد الكون الزمانية والمكانية. وهذا ما يضفي على العلم البشري صفة الإدراك النسبي المرتبط بتطور الفهم وتراكم المعرفة ويجعل السالك لا يرقى في أسباب الكمال إلا من خلال استتبابه للدور الاستخلافي الذي أناطه الله به دون سواه من الخلائق.

فإن هو استلهم هذا المغزى تجلى له ذلك السر الكامن خلف كل موجود الدال على وحدانية الموجد وأزلية ربوبيته المحيطة بكل أبعاد الوجود. وذلك مبلغ علم الإنسان ومآل يقينه أنه مهما تنوعت الأسباب واختلفت الغايات فكل شيء يبقى مقدر وفق سنة لا تتبدل ولا تتغير مصداقا لقول الله ـ عز وجل: (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) (فاطر:  43).       


المراجع البيبليوغرافية :

(1)    MONBARON M. & TAQUET Ph. (1981): Découverte de squelette complet dun grand Cetiosaurus (Dinosaure sauropode) dans le bassin jurassique moyen de Tilougguit (Haut Atlas central, Maroc). C. R. Acad. Sci. Paris, 292, pp. 243 - 246.

(2)    ALVAREZ & al. ; COURTILLOT & al. In PIRO P. (1994) :  Les tueurs du Deccan. Sciences et Vie Hors série, janvier 1994, pp. 106 - 113.

(3)        PURSER B. H. (1983): Sédimentation et diagenèse des carbonates récents. Technip éd. 2, p. 389