دراسة حقلية على أعشاش النمل الأبيض
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



دراسة حقلية على أعشاش النمل الأبيض

د. خالد محمد سعيد الغامدي


إن إحدى عجائب خلق الله كائن حي يدعى "حشرة الأرضية" أو "دابة الأرض" ( White Termite ) النمل الأبيض .وقد سميت سورة كاملة في القرآن الكريم باسمه،ا وهي سورة "النمل", وورد بصفة خاصة في سورة "سبأ"( 14 ) حيث قال تعالى: (
فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين
)؛ "فـدابة الأرض" المقصود بها هنا حشرة النمل الأبيض، واسمها الأرضة، كما جاء في "مختصر تفسير بن كثير" ( المجلد الثالث صفحة 124 )؛ فالأرضة تأكل العيدان ويقال لها القادح.

فحشرة النمل الأبيض عُرفت بأنها إحدى أهم الحشرات الاجتماعية التي تعيش في مستعمرات خاصة حيث تقضي معظم حياتها مختفية عن الضوء ؛فلذلك نجدها تتحرك داخل أنفاق طينية تصنعها الشغالات حيث توصل هذه الأنفاق النمل الأبيض إلى المصادر الغذائية . وتعتبر حشرات النمل الأبيض من أهم الآفات الحشرية المنتشرة في المناطق الاستوائية والمدارية ،وشبه المدارية والمناطق المعتدلة حيث تتميز بآحجام مختلفة وألوان باهتة، وأجزاء فم قارضة عند الشغالات والجنود؛ بحيث تكون بارزة العوالم عند الجنود، وتوجد العيون المركبة في الأفراد الخصبة . ويمكن تقسيم الأرضة بناءً على علاقتها بالتربة إلى مجموعتين:

1 - مجموعة تنصيب الأخشاب الرطبة والجافة ( ما فوق التربة ) ( Damp Wood and Dry Wood Termites ): يعيش أفرادها دومًا فوق سطح الأرض حيث يتوفر لهم الماء والغذاء, ودومًا تعرف بأن لها آنفاقـًا طينية طويلة ومتشبعة على عوائلها الغذائية شكل( 1 ).



2- مجموعة تعيش داخل التربة ( تحت التربة ) ( Subtrranean Termites ): يعيش أفرادها داخل التربة تحت سطح الأرض حيث الغذاء والماء،وترتبط بمستوى الماء الأرضي( Water Table )حيث تحرص هذه الأنواع على أن يكون غذاؤها مخزنًا داخل غرف أو مخازن خاصة بالمستعمرة ؛وذلك من أجل توفير المادة الغذائية اللازمة لحياة الأفراد. وتتميز هذه الأنواع بأن لها أعشاشًا أرضية فوق سطح الأرض تعتبر سمة لانتشار هذه الأنواع في البيئات المختلفة خصوصًا البيئات الصحراوية ( شكل2 ).



إن الدراسات الحديثة أوضحت أنه يعيش اليوم أكثر من آلفي نوع من حشرات النمل الأبيض في مختلف أنحاء الكرة الأرضية، يستوطن أكثر من ( 90 % ) منها في المناطق الاستوائية، في حين لا نجدها في الدائرتين القطبيتين الشمالية والجنوبية ؛ففي المملكة العربية السعودية سجل انتشار( 18 ) نوعًا من الأرضة تتبع( 10 ) أجناس تنتمي إلى أربع فصائل من رتبة "متساويتا الأجنحة"( Isoptera ).


تعيش الأرضة في مستعمرات ،كل مستعمرة عبارة عن عش أو عدة أعشاش تكوِّن مجتمعًا واحدًا يشكل وحدة اجتماعية متكاملة؛ إذ تضم مستعمرة الأرضة عدة طوائف( Castes )تختلف فيما بينها بحسب الشكل والوظيفة والقدرة على التناسل؛ فالملكة تتربع على عرش المستعمرة، وملك له وظيفة تلقيح الملكة، ومن ثم متناسلون إضافيون يعوضون فقدان الملكة أو الملك عند ضعفهما أو موتهم، وتنتهي المستعمرة بالجنود الذين يتميزون بالقوة الجسدية والفكوك البارزة إلى الشغالات ذات الأجسام الصغيرة والفكوك والصغيرة والقوية؛ إذ يعزى إليها تغذية جميع أفراد المستعمرة.



دورة الحياة ( تكوين المستعمرة ) ( LIFE CYCLE - COLONY FORMATION ):

تبدأ دورة حياة المستعمرة عندما يقوم الملك بتلقيح الملكة ،ثم يلي ذلك أن تضع الملكة البيض حيث يتم احتضان البيض لمدة أسبوعين تحت إشراف الشغالات، وبعد التفقيس تظهر الحوريات اللاتي تتم تغذيتهن بالطعام الممضوغ بواسطة الشغالات لمدة أسبوعين،و تمر الحوريات بسلسلة من مراحل النمو قبل أن تنمو إلى إحدى الطبقات التالية :



• الشغالات من البيض الملقح .

• الجنود من البيض غير الملقح.

• المتناسلون الإضافيون . وفي مواسم مناسبة ( بعد هطول الأمطار مثلاً ) ينطلق المتناسلون الإضافيون في حشود كبيرة خارج المستعمرة، ويختار كل طرف الطرف الآخر ليكونان معًا مستعمرة جديدة فيهما الملك والملكة( شكل:5 )



الأهمية الاقتصادية للنمل الأبيض:


النمل إحدى أهم الآفات الحشرية بنوعيها ( قاطنة التربة أو قاطنة المجموع الخضري ) .وعرف عن هذه الحشرات بأن لها أضرارًا جسيمة إذ تحدث خسائر فادحة من جراء تغذيتها على المواد السليولوزية للأخشاب, وسطوح المنازل الخشبية ,وجذوع الأشجار وجذورها, وأعمدة التليفونات والأثاث, والأقمشة والمفروشات, والخيش والموكيت, والورق والكرتون, والحبوب المخزونة.

كما عرف عنها بأنها تتغذى على المادة النباتية الحية؛ إذ تلتهم في الحقول والبساتين, والمراعي ومشاتل أشجار الزينة, والمحاصيل, مثل:الذرة الشامية والذرة الرفيعة والفول السوداني.



وأيضًا الخضار والفلفل الحلو والحار, والطماطم والباميا والباذنجان, وكثير من محاصيل الفواكه المختلفة. وبسبب هذه التغذية تتلف شغالات الأرضة القوة البنائية للخشب ( STRUCTURAL STRENGTH ) وتضعفها. ومن المفارقات المضحكة والمبكية أن صاحب الدار لا يراها إلا بعد أن يكون ضررها قد استفحل؛ وذلك بسبب سلوكها المتخفي الماكر.

وتصل بعض الأحيان تكلفة مكافحتها ملايين الدولارات ،وقد ثبت في بعض الإصابات أن التقديرات المادية لمكافحتها لا تصدق، بل إنها تفوق التكلفة الأساسية لتشييد المبنى.

النمل الأبيض والدور الإيجابي:


يظن الكثير من الناس يظن أن هذه الدويبة لا هم لها إلا الهدم ؛والأمر ليس كذلك ؛فللأرضة دور هام ورسالة عظيمة تؤديها في الطبيعة ومن ذلك ما يلي:

1) فهي من الناحتين البيئية ( ECOLOGYY ) والإحيائية ( BIOLOGICAL ) تلعب دورًا هامًّا في دورة المادة العضوية ( ORGANIC OR NUTRIENT CYCLE ) ؛ فمن رحمة الله أن تتضافر الأرضة وكائنات أخرى لتتخلص من أكوام النفايات والمخلفات خاصة تلك التي تشتمل على مواد سليلوزية ،مثل :سعف النخيل والأخشاب والكرتون ؛فهي تحلل هذه المواد التالفة ،وتعيد عناصرها الأساسية إلى التربة مرة أخرى ؛مما يساعد في تقوية التربة وإثرائها بالمعادن والعناصر المعدنية الهامة.

2) في أثناء مهاجمة الأرضة للمواد السليلوزية داخل التربة من أخشاب وجذور نباتية وجذوع الأشجار تحدث أنفاقًا وممرات ؛ومن ثم تساعد في تهوية التربة.

3) تحسن من الخواص؛ مما يساعد على التركيبة الميكانيكية للتربة ،وتيسر تخلل الماء داخل التربة.

4) تفسح المجال لدخول الديدان الإسطولنية والفطريات والبكتريا إلى داخل التربة.

5) إن إفرازات الأرضة ونفاياتها تساهم في تحسين الخواص الكيميائية للتربة.

استخدام اللغة الكيميائية داخل المستعمرة( Sociochemicals of Termites ):

من أكثر الدراسات المعروفة في استخدام اللغة الكيميائية داخل المستعمرة عرفت في الأنواع الأرضية التابعة لفصيلة ( Rhinotermitidae ) ؛ فقد عرف أن المكلة تفرز مادة كيميائية فرمونية( inhibitor pheromones )؛ لتجعل المستعمرة في حركة ذاتية حيث يتم فرز هذا الفرمون من غدد خاصة بالرأس أو الصدر ،ثم يتحرك وينتشر عبر القناة الهضمية ،ويخرج مع فتحة الأست( Anus ) حيث تستقبل هذه المادة الفرمونية مجموعة متخصصة من الشغالات تقوم بامتصاصه من فتحت الأست ،وتوزعه عبر فمها إلى فم أفراد المستعمرة لتخبر أفراد المستعمرة بأن الملكة ما زالت مهيمنة على المستعمرة، وأيضًا لها القدرة العالية على وضع البيض الذي يتراوح عدده من( 2000 )إلى( 3000 )بيضة في اليوم طوال فترة حياتها التي قد تستمر إلى سنوات طويلة تصل إلى عشر سنوات فأكثر ( شكل: 7،8 ).



أما الجنود فلهم القدرة على إنتاج نوع آخر من المواد الفرمونية، ويسمى بـ"فرمون الإنذار المبكر"( Alarm Pheromones )،ويستجيب لهذا النوع من الفرمونات أفراد الجنود المستعمرة؛ وذلك للدفاع عن المستعمرة في حالة حدوث أي خطر يصيب هذه المستعمرة, ويفرز هذا الفرمون من غدة جربية موجودة في مقدمة الرأس.



أما الشغالات فلها القدرة على إنتاج نوع من الفرمون يسمى بـ"فرمون التتابع"( Trial Pheromones )ويفرز من غدة موجودة على السطح البطني للجسم ( العقلة البطنية الرابعة أو الخامسة ) ؛بهدف الوصول إلى المصدر الغذائي، ونقله إلى المستعمرة.

دراسة حقلية لانتشار النمل الأبيض بمحافظة جدة:

من الدراسة الميدانية على أعشاش الأرضة الحاصدة ( Harvester termite )بمدينة جدة,والتي قمت بها في إشراف على ندوة بحث للطالب خالد مثيل الغامدي في قسم علوم الأحياء بجامعة الملك عبد العزيز بجدة _ تبين أن النمط البنائي لهذا النوع ( Anacanthotermes ochraceus )متمثل في معظم الأماكن الموبوءة ؛حيث لوحظ انتشار واسع لهذا النوع في الجزء الصحراوي من مدينة جدة ,والذي يمثله موقعين: أحدهما شمال محافظة جدة, والآخر بداخل الحرم الجامعي ,كما لوحظ أن الشكل العام لعش الأرضة الحاصدة يتخذ الشكل المخروطي ،ويتميز بأن له لونًا مغايرًا تمامًا للون تربة المنطقة ؛إذ يميل إلى اللون البني. وتكون تربته طرية تمامًا مع احتواء العش على نفق طيني يقع أعلى العش ممتدًً إلى داخل العش ( شكل:9 )، وتتميز هذه الأنفاق الطينية بأنها تحتوي على فتحات جانبية وعلوية مفتوحة أو مغلقة اعتمادًا على حاجة المستعمرة للحركة من الداخل إلى الخارج لجلب الغذاء ، بالإضافة إلى وجود بعض الفتحات الاحتياطية المغلقة, والتي تكون موجودة في الجزء السفلي من هذه الأنفاق.



بعد إتمام عملية قياس أطوال الأعشاش وأقطارها استخدم قانون قياس الأشكال المخروطية ( V = 1/3 rh )( Steward ) في كلا الموقعين ؛فتبين أن أحجام الأعشاش متقاربة بعضها من بعض مع تمييز أن بعض الأعشاش الجديدة تكون صغيرة الحجم لكن ما تلبث أن يزيد حجمها بعد إتمام تكوين العش ( جدول: 1،2 ). وقد تبين أن الأعشاش صغيرة الحجم لا تحتوي على أعداد كافية من الأفراد ؛مما يشير إلى أن هذه الأعشاش غير نشطة في بداية الأمر ،ولكن سرعان ما تلبث أن تزيد في بناء العش المخروطي متى كان هناك زيادة في أعداد أفراد المستعمرة وخصوصًا الشغالات، في حين أن الأعشاش كبيرة الحجم تكون نشطة ؛وذلك باحتوائها على أعداد كبيرة من أفراد المستعمرة متحركة داخل العش، حيث لوحظ ذلك بعد إجراء عملية هدم العش ومعرفة شكل النفق الطيني الممتد من أعلى العش إلى وسطه، والذي يحتوي على فتحات رئيسية وجانبية عديدة.

وبعد إزالة العش لوحظ أن بعض الأعشاش كبيرة الحجم تحتوي على عدد جيد من الفتحات الأرضية التي تكون متصلة تمامًا بالعش الذي هو في الواقع همزة الوصل بين السطح الخارجي والسكن الداخلي لأفراد المستعمرة يستفاد من هذه النتيجة في أنه عند إجراء عملية المكافحة والوقاية من هذا النوع من الحشرات يتم أولاً هدم الأعشاش الخاصة بالنمل الأبيض ؛لإحداث إرباك بين أفراد المستعمرة، وأيضًا الاستفادة من الفتحات الأرضية المشار إليها سابقـًا ,وذلك بأن يضخ خلالها أحد المبيدات الفعالة ضد أنواع النمل الأبيض الأرضي ,مثل Dursban 4tc ( Heptachlor-Dialdrin-Dursban ). ومن هذه الدراسة الحقلية تبين لنا أيضًا أن من أهم العوامل التي تساعد على نشاط بناء مستعمرات النمل الأبيض وأعشاشه احتواء المنطقة المحيطة بالأعشاش على أهم المصادر الغذائية التي تمكن شغالات المستعمرة من نقل الغذاء إلى داخل المستعمرة وهضمه ؛ومن ثم تزويد أفراد المستعمرة الآخرين بالمادة الغذائية اللازمة لنشاط المستعمرة ؛فمن طرق الوقاية الميكانيكية أولاً هدم الأعشاش( كما أشير إلى ذلك فيما سبق ), وإزالة كل المخلفات أو المصادر الغذائية المحيطة بالأعشاش لإقلال التغذية؛ ومن ثم إجراء عملية المكافحة الكيميائية بطرق محكمة مع الأخذ بالاعتبار عدم احتوائها على أثر باقٍ عالٍ بهدف الإقلال من تلوث التربة.

خلاصة هذا البحث أنه عندما نهتم بمعرفة مدى انتشار الأرضة الحاصدة، تلك الآفة الخفية الماكرة ،والتي قل أن نراها أمام أعيننا، فإن علينا معرفة مظهر الإصابة أولاً,مع ملاحظة وجود الأنفاق الطينية الممتدة من تحت سطح الأرض إلى أعلاه متصلة بالمادة الغذائية سواء كانت محاصيل زراعية أو أعشاب وحشائش أو مخلفات الأخشاب من المباني المزينة بالأخشاب إلى غير ذلك؛ فإذا لوحظ مثل هذه الملاحظات فيجب الإسراع في إجراء عملية الوقاية الميكانيكية والكيميائية قبل استفحال الإصابة بهذا النوع من الحشرات.