المداخل للهندسة الوراثية البشرية (2)العلاج بالمورثات مستقبل واعد للبشرية
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



الأستاذ الدكتور/ سالم نجم.

 

 

موقف الشريعة من تطبيقات الهندسة الوراثية:

    تتمتع الشريعة الإسلامية بمرونة مبصرة محكمة مع ثوابت من الكتاب والسنة واجتهادات العلماء وهناك قواعد شرعية كلية جاءت للحفاظ على الكليات الخمس المأمور بحفظها وهي (الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال) ومن هذه القواعد الفقهية المعمول بها في إطار هذه القواعد الكلية قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، وقاعدة (درء المفاسد مقدمه على جلب المصالح)، وقواعد كثيرة خاصة بدرء الضرر منها قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، و(الضرر يزال)، و(الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)، و(يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، و(الحاجة تنزل منزلة الضرورة) (عامة أو خاصة) إلى جانب قواعد فقهية أخرى مثل: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً)و(العبرة للغالب الشائع للنادر)، و(الغرم بالغنم)، و(الأمور بمقاصدها)، و(إنما الأعمال بالنيات)، و(الأصل في الكلام الحقيقة)، و(لا ينسب إلى ساكت قول)، و(لا مساغ للاجتهاد في معرض النص) ( محمد الحبيب بن الخوجة، عصمة دم الحنين المشوه، مجلة المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي العدد الرابع، السنة الثانية 1989م) وغيرها من القواعد الفقهية.

    وفي العقود الأخيرة من هذا القرن استجدت مسائل طبية لم تكن معروفة من قبل, مثل:

1- نقل وزرع الأعضاء من الأحياء والأموات إلى المرضى.

2- التلقيح خارج الرحم الذي تحددت إباحته بشرط أخذ البويضة من الزوجة والحيوان المنوي من الزوج ثم يعاد تثبيت البويضة الملقحة في رحم الزوجة نفسها وكل ما عدا ذلك حرمته الشريعة. أما عن زرع الأعضاء فقد أباحه جمهور كبير من الفقهاء وعارضه البعض(عبد الحي الفرماوي، كلية الشريعة جامعة الأزهر، القاهرة (اتصال شخصي) 1995م).

    وأحكام الشريعة الإسلامية تدور مع مصالح العباد المشروعة طبقاً لنصوص الوحي الإلهي متمثلاً في القرآن الكريم والحديث الشريف الثابت، وكون الشريعة من عند الله سبحانه فهي خالية من الظلم والنقص والهوى لأن له سبحانه الكمال المطلق، أما البشر وقوانينهم فيعتريها القصور وهوى النفس، كما أن الشريعة الغراء فيها دنيوي وأخروي وهي عامة في المكان والزمان وشاملة لجميع شئون الحياة ولها هيبتها في نفوس المؤمنين بها، يقول ابن القيم رحمه الله عن الشريعة الإسلامية: إن مبناها وأساسها على حكم مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمه كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة. (فالشريعة عدل الله بين عبادة ورحمته بين خلقه).


    انطلاقاً من هذه القواعد الأصولية العامة وكذلك القواعد الفقهية التي تقول: (إن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص في القرآن والسنة أو إجماع العلماء يخلف ذلك).

    وعلم الهندسة الوراثية علم حديث متطور يسير بقفزات عالية ويبشر بخير كبير في مجال تشخيص وعلاج الأمراض البشرية ويفتح الباب واسعاً أمام الأطباء لتخفيف آلام المرضى من أصحاب العلل المزمنة البدنية منها و العقلية والنفسية ويتبع ذلك تخفيف الأعباء عن عائلات هؤلاء المرضى وذويهم بل وعن المجتمع والدولة في جوانب عديدة (سليمان فقيه، مختبر الوراثة البشرية، دراسة الصبغيات والأمراض الوراثية، عكاظ مكة المكرمة، ص28 في 7/2/1995م).

 

    وإذا راجعنا نسبة الأمراض الوراثية نجد أنها تشكل ما لا يقل عن 25% من مجموع الأمراض المعروفة حتى الآن وينتظر أن تزداد هذه النسبة مع تطور علم الهندسة الوراثية حينما تكتشف باقي مورثات الصفات الجسدية والعقلية والسلوكية المحمولة على الصبغات، ونظراً لأن هذا العلم يتقدم بسرعة فإن الأمل كبير في معرفة المزيد من أسباب الأمراض التي ما زالت أسبابها مجهولة حتى الآن والتي قد تصل نسبتها 50% من كافة الأمراض.

    ويبقى أنه لا مفر من استخدام الهندسة الوراثية في التشخيص والعلاج في عالمنا الإسلامي عاجلاً أم أجلاً، لذا فحري بنا أن نعطي هذا الموضوع أهمية تتناسب مع حجم المشكلة المرضية، كما فعلنا مع التقنيات المستجدة مثل نقل وزرع الأعضاء والتلقيح خارج الرحم وتحديد علامات الوفاة وغير ذلك من المشكلات الطبية التي صدرت بشأنها الفتاوى ويعمل بها الآن في معظم أنحاء العالم الإسلامي.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتداوي والعلاج حيث قال: " تداووا عباد الله فإن الله لا يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم " رواه أصحاب السنن وابن حبان وأحمد والحاكم، ويقول صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى لم ينزل داء إلا وأنزل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله إلا السام- وهو الموت- " رواه الحاكم، ويقول أيضاً: (لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بأذن الله" رواه مسلم وابن حبان وأحمد، ولكنه مع ذلك يقول صلى الله عليه وسلم "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" رواه البخاري موقوفاً وأبو يعلى مرفوعاً. وهذا الاستدراك ضروري حتى لا يقع أطباؤنا في استخدام وسائل التشخيص والعلاج المحرمة(توصيات المؤتمر الطبي الإسلامي الرابع، كراتشي/ باكستان 1988م، (أعمال المؤتمر)).

    والذي أطمئن إليه بناء على ما سبق هو الاستفادة من هذا العلم المبهر ليس فقط في علاج مرضانا ولكن بالمشاركة الإيجابية في البحوث العلمية والتقنية للهندسة الوراثية.


العلاج بالمورثات (الجينات) (Gene Therapy) :

    بعد أن تم تطوير التقنيات المتقدمة لدراسة الحامض النووي والأحماض والخمائر المنبثقة منه Recombinant DNA TECHNOLOGY RNA (POLYMERASES) وبعد نجاح العلماء في رسم خريطة المورثات (HUMAN LINK0000000000AGE MAP) أصبح معروفاً لدى المختصين بعض أماكن الجينات المختلفة0 المسببة للأمراض الوراثية وتحدد الأشخاص الحاملين للمورثة المشوهة والذي قد ينجم عنها مرضاً لأطفالهم إذا ما تزوج أحدهم امرأة تحمل موروثاً مشابهاً أو لديها عوامل بيئية تقوي هذه المورثة المشبوهة من الزوج وتنتج طفلاً مريضاً بمرض وراثي جسدي أو عقلي أو جميعها.


أولاً: التشخيص: تشخيص الأمراض الوراثية يجب أن يتم على المستويات التالية:

1- مستوى ما قبل الزواج:

 وذلك بالكشف الطبي على الخاطبين للحصول على البيانات التالية:

أ) معرفة التاريخ المرضى الوراثي لأسرتيهما، وهذا يعطي الفرصة لاختيار الشريك المناسب لضمان التوافق النفسي ولصيانة النسل من الأمراض الوراثية ومن ثم تجرى عمليات البحوث المناسبة.

 ب) تجرى البحوث الوراثية التالية:


    للصفات الوراثية السائدة:

 إذا كانت من DOMENANT GENES لأحد الأبوين سيصيب المرض نصف الذرية من الإناث والذكور، أما إذا كانت من الزوجين فإصابة تشمل كل الأبناء.

    للصفات الوراثية المتنحية:  لكي ينتقل RECEESSIVE GENES المرض الوراثي إلى الطفل لابد من وجود هذا الجين في كلا الأبوين وحينئذ يصاب 25% من الذرية بالمرض بينما ال50% من الذرية يحملون الجين دون ظهور المرض. أما ال 25% الباقية فناجية تماماً (لا يحملون الجين)

.

    للصفات المرتبطة بصبغي الجنس:

 إذا كانت الأم SEX LINKED GENES تحمل مرضاً من الجين الأنثوي x سيظهر المرض على الجين الذكر فقط مثل مرض الناعور (هيموفيليا) ولا تصاب الإناث بهذا المرض، فقط يحملن المورثة ثم يبق أن المرض لأولادهن من الذكور فقط.

2- مستوى الأم الحامل والجنين:

إذا تكرر إجهاض تلقائي مبكر عند الأم الحامل فإن هناك احتمالاً بوجود مرض وراثي بنسبة 50%- 60% ولذلك نقوم فحص الجنين والأم خلال الأسابيع الثمانية من الحمل بالطرق التالية:

 

أ) الفحص بالموجات فوق الصوتية ULTRA SONOGRAPHY:

 حيث نحصل على معلومات مهمة مثل (هل الجنين حي أم ميت- جنسه- تحديد العيوب الخلقية في الجنين والمشيمة- نوع الإجهاض المتوقع) وهذا الفحص لا يسبب أضراراً للأم أو الجنين.

ب) فحص دم الأم الحامل

 لمعرفة وظائف الكلى والكبد وفيروسات الحصبة الألمانية والهربس والزهري وأمراض SYPHILIS, TOXOPLASMOSIS وكذلك أخذ عينة من السائل الأمنيوسي لمعرفة نوع البروتين المناعي ALPHAFETOPROTEIN.

ج) فحص دم الجنين:

 تؤخذ العينة من الحبل السري بمساعدة الموجات فوق الصوتية من خلال جدار الرحم ويفحص الدم (الخلايا الليمفاوية) حيث يمكن تحديد عيوب الصبغيات وفيروس الإيدز والحصبة الألمانية والهربس ولولبيات الزهري والتكسوبلازموسس وأنواع البروتينات المناعية، كما يمكن زرع هذه الخلايا ثم دراسة الصبغيات بها والتعرف على عيوبها ومواطن الخلل فيها، وكذلك إجراء ما يلزم من تحاليل الحامض النووي الريبي ودراسة الأنزيمات والخمائر والبروتينات.

 

د) أخذ عينة نسيجية من المشيمة:

وهي تقنية متقدمة ولا تخلو من أخطار على الأم والجنين وفائدة هذه الوخذة أنها تدلنا على أنواع الأمراض التي تصيب الصبغيات وتلك التي تورث عن طريق المورثات وكذلك معرفة الأمراض الناتجة عن الأيض METABOLISM ونظراً لاحتمال وجود مضاعفات للأم أو الجنين خلال إجراء التحاليل في الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل ولكي نتجنب ذلك نؤكد على أهمية الاستشارة الطبية للخاطبين قبل الزواج والتي أشرنا إليها سابقاً كما ننصح بتعميمها على طالبي الزواج.


ثانياً: العلاج بالمورثات:

    لقد حدثت طفرات كبيرة في التقنيات الخاصة بدراسة الصبغيات والمورثات في المعامل وذلك بعمل مزرعة للخلايا البشرية مختلطة ومحملة على فيروسات أو بكتريا أو خلايا من الحشرات أو من الثديات، وأصبح من اليسير التعرف على المورثة المصابة أو المشوهة أو المغيرة لمكانها أو اللاصقة بغيرها أو المفقودة منها.. الخ ثم استبدالها بمورثة أخرى صالحة للعمل في موضعها المحدد لها كل ذلك يتم على مستوى المعمل ثم تحقن هذه المورثات في الحبل السري للجنين لمعالجة المرض الوراثي لدى الجنين، ولقد أمكن للعلماء بطرق مشابهة إنتاج الأمصال والهرمونات شبه البشرية على مستوى واسع الانتشار مع اعتدال في الأسعار، ومن أمثلة ذلك أمصال التهابات الكبد الفيروسية الوبائية، وانتاج الأنسولين البشري، وهرمونات النمو في الإنسان.

    إن هذا الإنتاج المتماثل تماماً مع الهرمونات البشرية الطبيعية قد سد فراغاً كبيراً في مجالات الوقاية من الأمراض الوبائية والأمراض المناعية والإصابات السرطانية كما أمكن علاج كثير من الأمراض المستعصية والمزمنة.


    وفي مجال وقاية النسل من التشوهات الصبغية الجينية استطاع العلماء أن يتعاملوا مع المبيضة الملحقة خارج الرحم عند مستوى انقسامها إلى أربع خلايا وذلك بإجراء تحليل PCR لتشخيص الخلل الصبغي ثم بعد يعالجون هذا الخلل بمورثة (جين) ملائمة من مصدر خارجي، ثم إتمام زرعه في FOREIGN GENE البويضة ثم تنقل هذه البويضة الملقحة المعالجة للرحم.

    كما نجح العلماء في إضافة جزيء أو جزيئات جينية تحمل صفات خاصة مثل تقوية المناعة ضد الفيروسات أو جينات مقاومة للسموم الناتجة من البيئة أو غير ذلك من السبل الوقائية ضد الأمراض، وتزرع هذه الجزئيات في البويضة الملقحة في أطوارها الأولى خارج الرحم وبذلك يتم تحصين الجنين. وهناك في حالات أخرى تتم المعالجة الجينية والجنين في رحم أمه كما أسلفنا من خلال الحقن عن طريق الحبل السري مخترقاً جدار الرحم.

    والطريق مفتوح على مصرعية أمام هذا العلم المتنامي العظيم الفائدة للجنس البشري، والشريعة الإسلامية تجيز هذا النوع من الأبحاث التشخصية والعلاجية والوقائية لصالح الناس واستقامة أمورهم الحياتية، فإن من أفضل القربات عند الله تعالى علاج المرضى ومواساتهم والتخفيف من معاناتهم وآلامهم، والشريعة تحث العلماء المسلمين وتأمرهم أن يكونوا في المقدمة رواداً لمثل هذه البحوث ولا يجب أن نتخلف عن التعمق في العلوم الوراثية لأنها ستكون حجر الزاوية في معظم الأمراض البشرية كما أوضحت سابقاً وليس فقط الأمراض الوراثية، وآفاق علوم الوراثة واسعة ومن اليسير علينا أن نسارع بإفساح المجال أمام الباحثين ونشجعهم استجابة لقول الله تعالى: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لّيَتَفَقّهُواْ فِي الدّينِ..) التوبة122، لنحقق بعضاً من مقاصد الشريعة في حفظ النفس والنسل والعقل.

    وسوف يكون للهندسة الوراثية دور أعظم في مجالات طب المجتمع والبيئة والطب الوقائي، وهذا عين ما ترنو إلية شريعتنا الغراء لتحقيق أسباب الصحة البدنية والنفسية والعقلية لجموع الأمة، بل وللإنسانية جمعاء.

 


ثالثاً:الأخطار الكامنة عند تطبيق العلاج الجيني:

    على الرغم من التقدم الهائل في الهندسة الوراثية نظرياً وتقنياً والتطور الكبير الذي أدى إلى تشخيص العديد من الأمراض الوراثية والخلقية والسرطانية وتحقيق نجاح باهر في علاج هذه الأمراض فلا زالت هناك مخاطر تحيط بالتطبيقات الجينية نذكر منها على سبيل المثال:

1- الفشل في تحديد وضبط موقع المورثة الجينية المزروعة على الشريط الصبغي للمريض بدلاً من الجزء العليل والمسبب للمرض، وقد يسبب هذا الفشل في تحديد موقع المورثة المزروعة مرضاً آخر ربما أشد فتكاً من المرض الأصلي.

2- احتمال أن تفقد المورثة المزروعة خواصها الوظيفية أو الطبيعية أثناء عملية الزرع وقد ينتج من ذلك أمراض أخرى غير محسوبة الناتج.

3- هناك احتمال أن تسبب المورثة المزروعة نمواً سرطانياً يؤدي بحياة الطفل خلال أية مرحلة من مراحل حياته.

 

4- إحداث أضرار مثل تهتك أنسجة الجنين أوالأم أثناء عملية زرع الجينات الأجنبية في الجين أثناء الحمل في الأسابيع الأولى أو التسبب في عدوى فيروسية أو بكتيرية أو فطرية.

5- هناك مضاعفات عديدة للأم أو الجنين عند استعمال المنظار الجنيني، وقد تصل الخطورة إلى الإجهاض أو وفاة الأم ولا يستخدم المنظار إلا نادراً.

6- إن استخدام هذه الوسائل يجب أن يجرى بواسطة أخصائين على درجة عالية من التدريب والخبرة كما يجب أن تتوفر العوامل المساعدة مثل إمكانيات إجراء مزارع الأنسجة ومتابعة نموها والكشف عن المورثات العليلة أو التي تحتوي على عيوب صبغية.

7- لابد من مصارحة الزوجين بالأخطار المحدقة بإجراء مثل هذه الوسائل التشخيصية ونسبة نجاحها وفشلها ثم الحصول على موافقة كتابية من الزوجين.( محمد جمال الدين أبو سرور، ندوة أطفال الأنابيب، النقابة العامة للأطباء، القاهرة، مارس 1992م..13).

    إن الإسلام ينحو بالعلوم إلى إسعاد الناس وسد احتياجاتهم المادية من طعام وملبس ومأوى وأسرة بجانب تمسكهم بقيمهم الإسلامية ومثلهم العليا واستقلاليتهم في تصريف شؤونهم، وبهذا المفهم فإن الاستفادة من الهندسة الوراثية في تحسين الإنتاج الحيواني والمحاصيل الزراعية مطلوبة ومرغوبة، فإن العالم الثالث جائع وجاهل ومريض وفقير ومستعبد ومستغل من قبل سادة الشمال، فإذا كان علم الوراثة سيخفف من تلك الويلات فأهلاً بهذا العلم ومرحباً برجاله العلماء الملتزمين الذين يعملون لصالح البشرية وإصلاح شؤونها.

على علماء المسلمين واجب فوري هو أن ينخرطوا في تعلم الهندسة الوراثية ونقل تقنياتها إلى بلادهم.


رابعاً: الحاجة إلى ميثاق شرف علمي مهني أخلاقي:

    دارت مناقشات ساخنة بين الأطباء في كثير من المؤتمرات وندوات الطب الإسلامي حول ضرورة وضع شروط وقيود انضباط على الممارسات غير الأخلاقية لدى بعض العلماء المتعاملين مع الأجنة البشرية، ولقد سبق أن أشرنا إلى أن بعض جراحي المخ والأعصاب في أمريكا وأوربا أباحوا لأنفسهم زرع خلايا عصبية حية من أجنة بشرية لعلاج أمراض عصبية مزمنة مثل مرض البايكنسونزم والألزهمير، وقيل إن هذه الممارسات تمثل اعتداء على الحياة البشرية لحرمة الأجنة، كما تمثل سلوكاً غير أخلاقي هو المتاجرة بالأجنة بالبيع والشراء من صاحبات الأرحام المؤجرة وممن تم تخصيب بويضاتهن بخلايا تناسلية ذكرية استجلبت من بنوك البويضات حيث تم التلقيح خارج الرحم ثم إعادة زرع البويضات الملقحة في أرحام صاحبات الأرحام المؤجرة.

    وسبق أن ذكرنا أن هناك لغطاً حول عصابات خطف الأطفال والاتجار بأعضائهم الداخلية لزرعها في مرضى الكلى والكبد والنخاع.. الخ كما أن البحوث الهندسية البشرية تجرى على قدم وساق بالمشاركة مع بنوك تخزين الخلايا التناسلية دون ضوابط ولا لوائح مهنية تنظم هذه الأبحاث، ولقد سمعنا أن بعض الهيئات الطبية العالمية المعنية بالسلوكيات المهنية وحقوق الإنسان بالاشتراك مع أصوات الكنيسة الكاثوليكية تمنع هذه الممارسات غير الأخلاقية ولكن لم يصل إلى علمنا شيء يفيد أن هذه الاحتجاجات المهنية المسيحية قد أثمرت في الإعلان عن ميثاق أو قانون أو لوائح تضبط وتنظم مثل هذه البحوث غير الإنسانية.

 

ماذا نقدم؟

    حيث إن توصيات وقرارات مؤتمرات وندوات الطب الإسلامي والإعجاز العلمي في القرآن والسنة قد أصبحت موضع التقدير والاحترام لدى الأطباء والعلماء المسلمين في كافة أنحاء العالم حيث أظهروا ومارسوا التزاماً دينياً ومهنياً وأخلاقياً في تخصصات كثيرة مثل نقل وزراعة الأعضاء، وعلاج العقم في النساء والرجال، وتحديد علامات الوفاة، وغير ذلك من الممارسات الطبية الحديثة.

    واستكمالاً لهذه المسيرة المباركة لفقهاء وعلماء الإسلام وانطلاقاً من قول الله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) البقرة:143، وإن رسالة الإسلام علمية (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ) سبأ:28، وأن هذا الخير الذي بأيدينا يجب أن تعم بركته العالمين وأن الشريعة سبقت كلفة التشريعات الوضعية قديمها وحديثها في بيان وتفصيل وحماية حقوق الجنين،

 

 وهي جديرة بتقديمها إلى المجتمع الغربي بفخر وثقة واعتزاز، وحيث أن هناك أعداداً كبيرة من الأطباء والعلماء المسلمين يعملون في المراكز البحثية والطبية في بلاد الغرب بحاجة إلى توصيات محددة لا يتجاوزونها عند تطبيقات السريرية، كما أن هناك الجاليات الإسلامية المنتشرة في العالم والواجب الديني يحتم علينا تقديم النصح والمشورة لهم وتبيان ما حرم الله وما أحل عند اصطدامهم بمشاكل طبية تثير الشبهات أو تمس معتقداتهم.

    ختاماً أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً إلى العمل بشريعته التي فيها خيري الدنيا والآخرة، وصلى الله على سيدنا محمد والنبين وآل كلّ وسلم تسليماً كثيراً