تحديد القبلة بواسطة الشمس
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



لقد احتوت الطبيعة على كثير مما سخره المولى ـ عز وجل ـ لخدمة البشرية فمنها ما عُرف وتم استخدامه، ومنها ما سوف يكتشف بعد حين، ونحن اليوم بصدد تناول ظاهرة فلكية يمكن استخدامها لتحديد اتجاه القبلة، الأمر الذي يعتبر مهمٌّا في حياة الأمة الإسلامية، ولتكن بدايتنا من مراقبة حركة الشمس الظاهرية خلال النهار من الشروق إلى عبورها للزوال ثم غروبها على الأفق الغربي، مع ما نلاحظه يوميٌّا من اختلاف موقع شروق الشمس وتزحزحه حول الشرق الجغرافي شمالاً وجنوبًا إلى مدى معيّن وفي تواريخ محددة، فأقصى إزاحة ناحية الشمال تكون يوم الانقلاب الصيفي الموافق 22 يونيه، ثم يبدأ موقع الشروق بالتراجع ناحية الشرق الجغرافي إلى أن ينطبق عليه يوم الاعتدال الخريفي الموافق 23 سبتمبر، ويستمر هذا التزحزح عن الشرق الجغرافي باتجاه الجنوب ليصل أقصى نقطة عنه يوم الانقلاب الشتوي الموافق 22 ديسمبر، وبعد هذا التاريخ يبدأ موقع الشروق بالتقهقر تدريجيٌّا ناحية الشرق الجغرافي لينطبق الشروق عليه مرة أخرى يوم الاعتدال الربيعي 21 مارس، ويستمر بالتزحزح ناحية الشمال ليكمل الرحلة السنوية ليكون الشروق مرة أخرى من أقصى إزاحة ناحية الشمال تكون يوم 22 يونيه، وهذا ينطبق تمامًا على مواقع الغروب كذلك.      

ولإيضاح هذه الحركة يُستخدم ما يسمى بالكرة السماوية التي يقع في وسطها الراصد، والتي يُمثل عليها الحركات الظاهرية للأجرام السماوية على صفحة السماء من الشروق والغروب، وهي حركات ناتجة عن دوران الأرض حول محورها لذا يطلق عليها مسارات ظاهرية، ومن الدوائر الأساسية على الكرة السماوية ثلاث دوائر: الأولى دائرة الأفق، وعليها تتضح الجهات الأصلية الأربع، والثانية دائرة الزوال وهي التي تمر بالشمال والجنوب، وتعبر نقطة السمت التي تكون فوق الراصد مباشرة، وأخيرًا دائرة الاستواء السماوية وتمر بالشرق والغرب الجغرافيين، وهذا ما يوضحه الشكل (1).

ووضع دائرة الاستواء السماوية يعتمد على خط عرض الراصد، فلو كان الراصد في أحد البلدان الواقعة على خط الاستواء والتي عرضها صفر فإن دائرة الاستواء السماوية تمر بالسمت وتكون عمودية على الأفق.

الشكل (1) كرة سماوية تتضح عليها المسارات الظاهرية للشمس لأيام ذات قيم ميل مختلفة، فالمسار (1) ليوم 22 يونيه عندما يكون ميل الشمس 23,5 درجة شمالاً، والمسار (2) ليوم 23 سبتمبر ويوم 21 مارس عندما يكون ميل الشمس صفرًا، لذلك فالمسار منطبق على دائرة الاستوائية، والمسار (3) ليوم 22 ديسمبر عندما يكون ميل الشمس 23,5 درجة جنوبًا، ولأن هذه الكرة السماوية لراصد على خط عرض حوالي 33,5 درجة شمالاً.

وكلما زاد خط العرض كلما مالت دائرة الاستواء السماوية عن نقطة السمت إلى الجنوب بما يكافئ خط عرض البلد المرسومة له، مع ملاحظة أن المسارات الظاهرية اليومية للشمس موازية دائمًا لدائرة الاستواء السماوية، وأي تغير لمسار الشمس الظاهري اليومي عن دائرة الاستواء السماوي يسمى ميل الشمس.

ميل الشمس يساوي صفرًا ويكون مسارها عندئذ منطبق على دائرة الاستواء السماوي، ويكون ذلك في يومي الاعتدال (الاعتدال الربيعي الموافق لبداية برج الحمل، والاعتدال الخريفي الموافق لبداية برج الميزان)، وأقصى إزاحة له شمالاً تصل إلى 23,5 درجة وذلك يوم الانقلاب الصيفي والموافق لبداية برج السرطان، وأقصى تغير للميل جنوبًا تصل إلى 23,5 درجة، وذلك يوم الانقلاب الشتوي والموافق لبداية برج الجدي، وهكذا فخلال فصلي الربيع والصيف يكون ميل الشمس شماليٌّا (أو موجبًا)، ويكون الشروق والغروب شمال الشرق الجغرافي، أما خلال فصلي الخريف والشتاء فإن ميلها يكون جنوبيٌّا (أو سالبًا)، وأثناءها يكون الشروق والغروب جنوب الشرق الجغرافي، والشكل (2) يوضح تغير ميل الشمس خلال سنة شمسية.

الشكل (2) تغير ميل الشمس خلال سنة شمسية إذ يبلغ أقصى قيمة حوالي 23.5 درجة شمالاً (موجبًا)، وذلك في نهاية برج الجوزاء وبداية السرطان، ويكون الميل صفرًا في بداية برج الحمل وفي نهاية برج السنبلة، وأكبر قيمة للميل بالسالب حوالي 23,5 جنوبًا يوافق نهاية برج القوس وبداية الجدي.

أما الشكل (1) فيمثل كرة سماوية لراصد على خط عرض تقريبًا 33,5 درجة، لذا فإن دائرة الاستواء السماوي تميل عن السمت بهذه القيمة، وبما أن أقصى ميل للشمس شمالاً هو 23,5 درجة؛ لذا فإن أقصى مسار ظاهري للشمس يوم 22 يونيه سيكون مبتعدًا بحوالي 10 درجات عن السمت في اتجاه الجنوب، وبناء على ذلك فلن يكون للشمس أي عبور بنقطة السمت أبدًا لخط العرض المذكور إطلاقًا، وسنطبق هذا الأمر على خط عرض مكة المكرمة وهو المقصود من هذا المقال.

فعندما نرسم كرة سماوية لخط عرض 21,5 فإنها ستكون ممثلة لكل البلدان التي تقع على خط العرض هذا، ومنها مكة المكرمة، وبناء على ذلك سنجد أن دائرة الاستواء السماوية تميل عن السمت بـ 21,5، وكذلك تتضح عليها مسارات الشمس الظاهرية لبدايات الفصول، ففي يومي الاعتدال يكون مسارها الظاهري منطبقًا على دائرة الاستواء أي أن الشروق من الشرق والغرب الجغرافيين، وأقصى إزاحة لمسار الشمس اليومي شمالاً يكون يوم الانقلاب الصيفي وأقصى إزاحة له جنوبًا يكون يوم الانقلاب الشتوي وهذا ما يوضحه الشكل (3)، كما يتضح أن مسار الشمس يوم الانقلاب الصيفي 22 يونيه يكون قد تعدى السمت باتجاه الشمال بحوالي 10 درجات، لذا لا بد وأن هنالك تاريخًا معينًا يكون فيه عبور الشمس للزوال من نقطة السمت، ويحدث هذا عندما يكون ميل الشمس مساويًا لخط العرض، وذلك في يومي 28 مايو الساعة 9 والدقيقة 18 بتوقيت جرينيتش، ويكون العبور الآخر بعد الوصول إلى أقصى قيمة يوم 16 يوليه الساعة 9 والدقيقة 27 بتوقيت جرينيتش، يكون العبور الأول أثناء ازدياد ميل الشمس والعبور الثاني أثناء تناقص ميل الشمس بعد أن يبلغ أقصى قيمة له، ففي هذين اليومين تكون الشمس متعامدة على الكعبة المشرفة حسب التوقيت المحلي لمكة المكرمة وهو دخول وقت صلاة الظهر في الحرم المكي الشريف مما يمكن من تحديد اتجاه الكعبة بالنسبة للأماكن البعيدة عن مكة، وذلك عن طريق مراقبة الشمس لأنها في تلك اللحظة، وفي ذلك اليوم المقرر تكون الشمس فوق الكعبة مباشرة بمثابة شاخص يمتد إلى السماء بحيث إذا تمكن أي شخص من رؤيتها أن يحدد قبلته لأن الكعبة تحتها تمامًا، وكلما كان تحري الدقة أكبر كلما كانت النتيجة المرجوة أكثر دقة، وهذا خاص بالأماكن التي يمكن أن تُرى فيها الشمس تلك اللحظة وهو ما يغطي نصف الكرة الأرضية والتي تكون الكعبة المشرفة قطبًا له، أما في النصف الآخر فيمكن اســتخدام هذه الطــريقة لكن عنــدما تكون الشمس عمودية على الموقع الذي يقابل الكعبة من الجانب الآخر من الكرة الأرضية، وذلك يوافق يومي 28 نوفمبر الساعة 21 والدقيقة 9 حسب توقيت جرينيتش ويوم 13 يناير الســاعة 21 والدقيقـــة 9 بتوقيت جــرينيتش، ففــي هذين التوقيتين يكـــون اتجاه القبلة معاكسًا تمامًا للاتجاه الذي فيه الشمس في هذين الوقتين، وذلك لنصف الكرة الأرضية المقابل للنصف الذي تكون الكعبة المشرفة قطبً له.

الشكل (3) كرة سماوية لمكة المكرمة (خط عرض حوالي 21,5 درجة شمالاً) تتضح عليها المسارات الظاهرية للشمس (1) ليوم 22 يونيه عندما يكون ميل الشمس 23,5 درجة شمالاً، والمسار (2) ليوم 23 سبتمبر ويوم 21 مارس عندما يكون ميل الشمس صفرًا، لذلك فالمسار منطبق على دائرة الاستواء السماوية، والمسار (3) ليوم 22 ديسمبر عندما يكون ميل الشمس 23,5 درجة جنوبًا، والمسار رقم (4) لليوم الذي ميله مكافئ لخط عرض مكة فان عبور الشمس لخط الزوال ظهرًا يكون منطبقًا على سمت الرأس (ع) وعندئذ تكون متعامدة على مكة المكرمة تمامًا، وذلك يحدث يومي 28 مايو و16 يوليو.