ميل الشمس وتغيره
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



د. حسن محمد باصرة

تعد الشمس أعظم جرم سماوي شد انتباه بني البشر بحكم الهيمنة التي أودعها المولى ـ عز وجل ـ فيها إذ سخرها للإنسان بحيث تعلقت كثير من أدوار حياته ومواسمه بحركاتها الظاهرية سواء كانت حركة يومية أو سنوية، فعن طريقها كان النهار مَعاشًا والليل لباسًا، وبها اقترنت الفصول فلا يخلو تقويم إلا ويحتوي على السنة الشمسية المتضمنة على الفصول الأربعة أو الأبراج الاثني عشر، ولابد من العلم بأن كل الحضارات الماضية القبطية والسريانية والرومانية وأخيرًا الميلادية ـ استخدمت السنة الشمسية لكن كل حضارة وزعت أيام هذه السنة على أشهر حسب أعرافها ومعتقداتها فاختلفت المسميات والمضمون واحد.


وقد تمكن العالم المسلم أبو عبدالله محمد بن جابر البتاني في القرن الثالث الهجري من قياس طول السنة الشمسية وكانت نتيجته 365 يومًا و5 ساعات و46 دقيقة و32 ثانية، وهي أدق قيمة تم الحصول عليها من قبل استخدام الوسائل الحديثة إذ إن الفرق بينهما فقط دقيقتان وربع.


وبعد هذا تم انتقال اهتمام علمائنا لدراسة دائرة البروج وهي الدائرة التي تنتج عن تغير مسقط الشمس ما بين النجوم (البروج) أثناء تغير موقع الأرض حول الشمس خلال رحلتها السنوية، وبصيغة أخرى تمثل مسقط مدار الأرض على صفحة السماء. ولأن محور دوران الأرض (حول نفسها) ليس عموديا على مدارها حول الشمس بل يميل عليه فإن دائرة الاستواء ليست منطبقة على دائرة البروج بل تميل بنفس القيمة والتي توصل إليها علماؤنا الأوائل، وقد أشار بذلك أحد علماء الغرب (سارتون) في كتابه (المدخل إلى تاريخ العلوم)

 

فقال: إن ابن الشاطر عالم فائق في ذكائه، فقد درس حركة الأجرام السماوية بكل دقة وأثبت أن زاوية انحراف دائرة البروج تساوي 23 درجة و31 دقيقة، وهذه نتيجة غاية في الدقة ولا تختلف عن القيمة الحديثة سوى بستة أجزاء من ألف جزء من الدرجة، ولو توفر لابن الشاطر ما لدينا من أجهزة دقيقة لما عدم التوصل إلى مثل هذه الدقة، وهو العالم المسلم الذي عثر على مخطوطاته في بولندا مسقط رأس كوبرنيكس الذي نقل الكثير من نظريات تلك المخطوطات ونسبها لنفسه بعد أن ترجمها.

الشكل (1) كرة سماوية توضح الحركة الظاهرية للشمس خلال اليوم لراصد في مركزها، ويتضح عليها أفق الراصد والجهات الأربع وعليها ثلاث مسارات للشمس، فالمسار (1) ليوم 22 يونيو عندما يكون شروقها من أبعد نقطة ناحية الشمال، والمسار (2) ليومي الاعتدال 23 سبتمبر و21 مارس حيث ينطبق موقع الشروق تماما على الشرق الجغرافي الذي يقع على بعد متساوٍ بين الشمال والجنوب، والمسار (3) ليوم 22 ديسمبر عندما يكون شروق الشمس من أقصى نقطة جنوبا، كما تكون المسارات متوازية ومائلة بما يكافئ خط العرض وهو بعد المسار 2 عن نقطة السمت، وتكون هذه المسارات عمودية تماما على الأفق للأماكن الواقعة على خط الاستواء.


وبحكم هيمنة الشمس علينا فإنه لا يستبعد أن يلاحظ أنها تشرق كل يوم من موقع مختلف قليلاً عن اليوم الذي قبله ومساراتها اليومية دائمًا متوازية، لكن الشروق يكون بزاوية معينة تعتمد على خط عرض المكان، انظر الشكل (1)، فكلما زاد خط عرض المكان زادت الزاوية التي تشرق بها الشمس. كما أن الظل يكون أطول ما يمكن أثناء الشروق ثم يتقاصر ليكون أقل ما يمكن لحظة الزوال ويسمى عندئذ ظل الاستواء، وكنتيجة لتغير موقع الشروق فإن مسار الشمس الظاهري على صفحة السماء يتغير كل يوم، وعليه فإن ظل الاستواء سيختلف طوله من يوم إلى آخر.

 

ولتقصي سبب حدوث هذه التغيرات؟ يتضح أن السبب يرجع إلى عاملين؛ الأول: دوران الأرض السنوي حول الشمس، الثاني: عدم محور دوران الأرض حول نفسها على المستوى الذي تدور فيه حول الشمس بل يميل عن العمودي بحوالي 23.5 درجة. وهي الزاوية التي قاسها ابن الشاطر، والتي تدعى بميل دائر البروج.


ومن الطرق المستعملة لدراسة تغير الميل من يوم لآخر ـ متابعة ظل الاستواء وقد استخدم مسار الشمس الظاهري خلال نهار يوم الاعتدال (وهو غرة الربيع، أول يوم في برج الحمل والموافق حسب التقويم الميلادي المتداول 21 مارس) كمرجع لقياس أي تغير في مسار الشمس خلال النهار لبقية أيام السنة، فخلال فصلي الربيع والصيف تتزحزح حركة الشمس الظاهرية أثناء النهار إلى جهة الشمال، شمالا عن المسار المرجعي بازدياد مستمر وذلك لمدة ثلاثة أشهر، حتى تصل إلى أقصى قيمة وهي حوالي 23.5 درجة، ثم بعدها يحدث الانقلاب الصيفي (والذي يكون فيه النهار أطول ما يمكن والموافق لأول يوم في برج السرطان) ويبدأ الميل في التناقص ليعود إلى المسار المرجعي إذ يوافق ذلك يوم الاعتدال الخريفي (23 سبتمبر)

 

وخلال الفترة السابقة يكون ميل الشمس شمالي. ثم يبدأ الميل في الازدياد ناحية الجنوب خلال فصلي الخريف والشتاء، وفي نهاية فصل الخريف يصل الميل إلى أقصى قيمة له جنوبا 23.5 درجة ويكون ذلك يوم بداية الانقلاب الشتوي ثم تبدأ قيمة الميل بالتناقص خلال ثلاثة أشهر أخرى ليعود مسارها اليومي إلى المسار المرجعي يوم الاعتدال الربيعي مرة أخرى.

الشكل (2) تدور الأرض حول الشمس في مدار شبه دائري حيث تم تحديد أربع مواقع لها على مسافات متساوية تنتقل فيها الأرض بين كل موقع خلال شهر فإذا كان أول موقع هو لأحد الاعتدالين فإن الأخير سيكون لأحد الانقلابين، وبعمل مساقط لتغير موقع الأرض بالنسبة للشمس خلال هذه الفترة نجد التفاوت واضحًا فيما بين 1 و2 نصف المسافة ما بين 1 و4، ثم الثلث، والأخير السدس.

 

وبالرجوع إلى القياسات الدقيقة يلاحظ أن معدل تغير ميل الشمس ليس ثابتا خلال الفصول، فعلى سبيل المثال من يوم الاعتدال الذي ينعدم فيه الميل إلى يوم الانقلاب الصيفي عندما يكون الميل في أقصى قيمة له (23.5 درجة)، وذلك خلال ثلاثة أشهر (المحتوية على البروج التالية؛ الحمل والثور والجوزاء) نجد أن الميل يتغير خلال برج الحمل حوالي 12 درجة وفي البرج الثاني حوالي 8 درجات ثم في برج الجوزاء ما بقي من الثلاثة وعشرين ونصف درجة.


وقد ظهر هذا التوزيع في المخطوطات العربية القديمة ومن أقربها إلينا منظومة (اليواقيت من فن المواقيت) للشاطري والتي تضمنت هذه الحقائق بشأن تعريف الميل وتغيره خلال البروج بعد أن جبر كسر الثلاث وعشرين ونصف إلى أربع وعشرين فقال:


تجـاوز الشمس مـدى العدل في جـريهـا يدعـونه الميل


ويعـدم الميل وينمحـي فـي غرتــي الربيع والخريف


ومنتهـاه أربع وعشـــرون درجــة مجبـورة ثلاثين


دقيقـة في كل نحـو وزعـت على بروجها فنصفها ثبت


لحمل وثلثهـــــــا للثور والسدس للجوزاء ثم تجري


في الباقيات عكس ذا الترتيب وهكذا التـوزيع في الجنوب

الشكل (3) تغير ميل الشمس خلال السنة الشمسية أو البروج ويتضح أن أقصى قيمة حوالي 32.5 درجة، وأنه يكون التغير خلال برج الحمل نصف القيمة، وفي البرج الذي يليه الثلث، ثم في البرج الثالث ما بقي من الثلاث والعشرين ونصف الدرجة، ثم يعاود التناقص بعكس هذا الترتيب ويتكرر هذا عندما يكون الميل جنوبيٌّا.

 

 

ولتفنيد كيفية حدوث الاختلاف في معدل تغير الميل خلال الأشهر، لابد من تخيل حركة الأرض على مدارها حول الشمس وقد تم تحديد أربع نقاط على جزء من المدار بحيث تبعد كل منها عن الأخرى ثلاثين درجة على أن تكون النقطة الأولى موقع الشروق يوم الاعتدال، ثم يرصد موقع الشمس في ذلك اليوم ويراقب تغير موقعه من يوم لآخر (نتيجة انتقال الأرض على المدار) بالنسبة لأي راصد في وقت معين كل يوم بحيث تسهل فيه المراقبة (مثل موقع الشروق أو الغروب أو لحظة الزوال ظهرًا، لأنه عندما يكون الوقت ظهرًا في السعودية فإنها لحظة غروب في أندونيسيا بينما في أمريكا شروق)،


ثم عمل إسقاط لموقع الأرض بالنسبة للشمس على الأفق الشرقي إذا كان الراصد يراقب الشروق، ولأن حركة الأرض على مدار دائري فإن معدل تغير موقع الإسقاط سيكون غير ثابت، انظر الشكل (2).


وبما أن البداية كانت يوم الاعتدال الربيعي (حيث يكون شروق الشمس من الشرق الجغرافي تماما أي على بعد مساوي بين الشمال والجنوب) والنهاية يوم الانقلاب الصيفي نجد أن موقع شروق الشمس وصل إلى أقصى تزحزح له ناحية الشمال أي خلال ثلاثة أشهر، وأن الأرض قد قطعت تقريبا 90 درجة على مدارها في هذه الفترة. وبقياس الأبعاد بين المساقط نجدها متفاوتة فما بين الأولى والثانية نصف المسافة الكلية التي بين الأولى والرابعة، وما بين الثانية والثالثة الثلث، وما بين الثالثة والرابعة السدس، وذلك يمثل جيوب الزوايا صفر، وثلاثين، وستين، ومقارنته بجيب تسعين درجة والذي يمثل الوحدة وهذا متفق مع معدل التغير في ميل الشمس، انظر الشكل (3) تغير الميل خلال السنة.

 

الشكل (4) يختلف المجال الذي تتغير فيه مواقع الشروق والغروب خلال السنة؛ فعلى خط الاستواء (خط عرض صفر) يكون هذا المجال مساويًا حوالي 23.5 درجة، وكلما زاد العرض زاد المجال الزاوي. ويلاحظ أنه عند خطوط العرض العليا بعد 66 درجة لا يمكن تحديد المجال لأنه قد لا تغيب أو لا تشرق الشمس خلال فترات معينة من السنة.

 

ولو عملت قياسات الشروق في مكان ما على خط الاستواء فإن المجال الذي سيكون فيه التغير مماثل لقيم التغير على خط الزوال التي تمثل قيم الميل الحقيقية، وذلك لأن الأفق في خط الاستواء عمودي على حركة الشمس خلال النهار مثل خط الزوال. أما على خط عرض آخر فإن التغير الزاوي الإجمالي قد يتعدى الثلاثة والعشرين ونصف الدرجة، اعتمادا على خط العرض؛ فكلما ازداد خط العرض كلما زادت القيمة، انظر الشكل (4)،


بينما يبقى توزيع نسب التغير للموقع ثابت؛ فخلال الشهر الأول بعد الاعتدال يكون التغير لنصف القيمة، والشهر التالي ثلث، والذي يليه سدس، ثم في الشهر الرابع مثله، وفي الشهر الخامس الثلث، وفي الشهر السادس النصف، ثم يعود الموقع إلى الشرق الجغرافي مرة أخرى وذلك يوم الاعتدال الخريفي لتبدأ رحلة التغير ناحية الجنوب بنفس الترتيب كما ذكر في نظم الشاطري. وعلى سبيل المثال فعند تطبيق هذا لمدينة جدة على خط عرض 21.5 درجة فإن التغير الإجمالي في مواقع شروق الشمس حوالي 24.5 درجة، لذا فإن التغير الذي يحدث خلال الشهر الأخير قبل الانقلاب هو سدس هذه القيمة أي 4 درجات،


فيكون متوسط معدل التغير اليومي حوالي ثمن درجة (مع العلم أنه آخر الشهر يكون المعدل أقل من هذا المتوسط) فإذا علمنا أن مسقط قرص الشمس على صفحة السماء يشغل حيزًا قدره نصف درجة ـ فسنجد أن تغير موقعها لن يكون محسوسا لعدة أيام قبل وبعد الانقلاب، مما قد يتوهم لمن يراقب الشمس في تلك الأيام أن موقعها لا يتغير أي أنها تشرق أو تغرب خلال أيام الانقلاب من مكان واحد عكس بقية الأيام وخاصة عند الاعتدالين. وقد استخدم أحد الشعراء القدماء هذا التغير غير الملاحظ بقوله:


ترى الحركات منه بلا سكون فتحسـبها لخفتهـا سكونا


كسير الشمـس ليس بمستقر وليـس بممكـن أن يستبينا


وهكذا نجد أن تغير ميل الشمس الدوري (بشكل غير خطي بل بمعدلات مختلفة يمكن حسابها والإحساس بما ينتج عنها).


المراجع:
(1) علماء الفلك المسلمين: د. عبدالله الدفاع 1405هـ.

 

(2) منظومة اليواقيت في فن المواقيت: السيد محمد أحمد الشاطري 1349هـ.