ظـهـر الـفـسـاد بـمــا كـسـبت أيـدي الـــنـاس            

من أبحاث المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بدولة الإمارات-دبي  1425هـ  - 2004م
أ.د  الحسيـــن زايـــد     و     أ.د عبد الكبير بلاوشــو

الحمد لله الذي حث عباده، كل عباده ولم يستثن منهم أحدا، على البحث عنه في كل ما خلق، وعلى الاهتداء إليه عبر العقل الباحث المفكر والمدبر ... حثهم على طلب العلم والعمل به، فنفخ فيهم روحا وهاجة، وبث فيهم من علمه عقلا فياضا، يحول النور إشعاعا إنسانيا، أو يدعه يخفت وئيدا فيصبح ظلاما دامسا.
والمسلم مطالب بأن يتدبر آيات الله، المكتوب منها والمنظور، وأن يفعل عقله وفكره ووجدانه في فقه معانيها وفهم دلالاتها لتطمئن الجوارح وتستقر الخواطر إلى أن القرآن هو تنزيل من الله عز وجل، وحجة إلى العقل الإنساني أو عليه، على اعتبار أن العلم حجة على أهله لأنه مناط التكليف، حيث أن العلم يجعل العقل لا يقبل قضية إلا إذا كانت مشفوعة بالبرهان القاطع، ولا يرجح راجحا على مرجوح إلا بدليل ساطع، ويستطيع التفرقة بين الأدلة القطعية والظنية.
أمام هذا، فهو لا يقف إلا على ما يثق فيه، وإلى ما يطمئن إليه حسب مقدرته من التقييم ورصيده من التجريب. لهذا، نجد أنفسنا أمام من يأخذ بالظنة ويقول عليها، ومن يطلب بالدليل القطعي الذي يعطيه واقعا لا يرقى إليه الحدس أو الريبة.
ونحن اليوم نستفيد من الكشوفات والأبحاث العلمية، والعلم قد بلغ مراحل خطيرة من التفوق والنفاذ ولم يتوقف عند حد، فقد أصبح لزاما علينا في آن واحد، أن نؤمن بآيات الله المنزلة لقوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها".
وكذلك من الواجب والفريضة أن نتدبر آياته الكونية لقوله عز وجل: "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك، فقنا عذاب النار".
والقرآن الكريم حافل بالإشارات العلمية الكونية، وكل منها يدعو الفطرة الموحدة لمزيد من التوحيد والخشوع والخشية أمام عظمة الله الواحد القهار، وأكثر الناس إدراكا لها المتخصصون: "إنما يخشى الله من عباده العلماء".
يتمحور هذا البحث حول منزلة الإنسان من المنظور الإسلامي باعتباره مستخلفا في الأرض وعليه تقع مسؤولية إدارة مواردها.
ثم يعرف مفهوم الفساد كمصطلح قرآني مبرزا المعنى اللغوي والشرعي والمفهوم المعاصر قبل أن يتطرق لبعض مظاهر الفساد المرتبطة بالأنشطة البشرية والتي تطال الماء والهواء والتربة وانعكاساتها السلبية على صحة الإنسان وإنتاجيته.
ويخلص في الأخير على ضرورة أخذ العبر من النتائج الوخيمة التي لحقت بالإنسان عندما خضع لغريزته واتبع هواه فتصرف بأنانية مطلقة وقدم مصلحته الخاصة على المصلحة العامة ... فأفسد في الأرض بعد إصلاحها وحلت به المصائب والكوارث وهي بالنسبة للعارفين بالله نوع من أنواع الأخذ الرباني للأمم المتمردة التي تخلت عن منهج الله ولم ترق إلى مستوى الخلافة وارتضت حكم الأهواء "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد".
وكان الإنسان أكبر المتضررين.
فكان عليه آنذاك مراجعة نفسه ... فجاءت التقارير تلو التقارير، من المنظمات الدولية وغير الدولية، الحكومية منها وغير الحكومية، كلها تصب في اتجاه واحد: "لنوقف هذا النزيف!" مما يدل على تنامي الوعي والاهتمام بإشكالية البيئة دوليا وإقليميا ووطنيا.
فكان مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية في استكهولم سنة 1972 وكانت قمة الأرض في ريودي جانيرو سنة 1992 والتي صاغت برنامج عمل طموح "جدول أعمال القرن 21" (Agenda 21).
وكان مؤتمر السكان والتنمية بالقاهرة سنة 1994 ومؤتمر التنمية البشرية في كوبنهاغن سنة 1995 ومؤتمر المستوطنات البشرية في إسطانبول سنة 1996 ثم قمة "ريو + 5" سنة 1997 وقمة "ريو + 10" للتنمية المستدامة سنة 2002 في جوهانسبورغ ولازال المشكل البيئي قائما شاهدا على خيبة الأمل بالنسبة للعديد من الالتزامات والتعهدات التي بقيت حبرا على ورق، ويستدعينا جميعا لقمة من نوع آخر، "قمة الرجوع إلى الله" عز وجل حتى تنفرج الكرب وتعود النعم التي أنعم الله علينا بها، مصداقا لقوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون"، ونضمن بذلك مستقبلا بيئيا سليما لنا وللأجيال القادمة.

اسم الكاتب الجنسية المكان البحث كاملا
■   الدكتور / الحسين زايد مغربي الدار البيضاء