تلاؤم السمع والبصر في تعلّم اللغات
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك



تلاؤم السمع والبصر في تعلّم اللغات

أ. د. سعود  السبيعي


في وقتنا الحاضر ينظر الباحثون في تدريس اللغة إلى الفهم الاستماعي، بوصفه معتمدًا اعتمادًا كاملاً على حاسة السمع، وأما المعلــومات البصرية فينظــر إليهـا كأداة مساعدة للمعلومات السمعية وليس جزءًا لا ينفصل عنها. إضافة لهذا، ترى نظرية إدراك الكلام أنه توجد نظريتان تتعلقان بالبصر وعلاقاته بالمعلومات السمعية: فإما أن يكون البصر بمثابة جهاز مساند يستخدم عندما تتدهور الإشارات السمعية بشكل ما، وإما أن يكون البصر جزءًا مركزيٌّا في إدراك الكلام تحت كل الظروف.

والقرآن عندما يحصي نعم الله على البشر فإنه يستعرض دومًا حاسة السمع وحاسة البصر وفقًا لهذا التلازم عندما يذكران معًا. علاوة على هذا فقد منح القرآن هاتين الحاستين أفضلية على ما عداهما من حواس. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو الإعجاز في هذا التلازم بين السمع والبصر؟

ولماذا ميزهما القرآن على ما عداهما من حواس؟ ونبذل في بحثنا هذا محاولة لكشف الغطاء عن المقتضيات النظرية والعملية لتمثيل القرآن الكريم لحاستي السمع والبصر بالنسبة لاكتساب اللغة وتدريسها.

السمع والبصر في القرآن

في وقتنا الحاضر تستخدم وسائل الإيضاح التعليمية البصرية بدرجات متفاوتة على كل مستويات تدريس اللغات. ومع هذا فإننا نادرًا ما نجد في الأدبيات التي تتناول المهارات الاستماعية في تدريس اللغات وتعلمها مناقشة للمعلومات البصرية التي تنقل عن طريق الفم والفك أو التي تنقل عن طريق حركات الوجه (التعابير والإيماءا). والمرجع الوحيد الذي يربط الاستماع مع النظر يتعلق بتعلُّم الصم القراءة الكلامية: حيث يلجأون إلي أي نوع من المعلومات البصرية التي قد تقدم لهم (مثل تعابير الوجه، الإيماءات، حركات النطق).

على أي حال توضح البحوث الحديثة في نظرية إدراك الكلام أن البصر يلعب دورًا هامٌّا في عملية الاستماع. ومن أجل إثبات ذلك عمد الباحثون إلى دراسة كل من آثار انعدام الرؤية على إدراك الكلام واستخدام المعلومات البصرية في إدراك الكلام لدى الصم والأصحّاء على حد سواء. وقد أشار القرآن الكريم قبل زمن طويل إلى أن فقد السمع والبصر يعتبر عائقًا عظيمًا يحول دون اكتساب المعرفة.

ففي القرآن الكريم نجد أنَّ فقدان السمع (الصمم) يسبق فقدان البصر (العمى) في ثلاث عشرة آية بينما فقدان البصر يسبق فقدان السمع في آيتين فقط. هذا بكل تأكيد يوضح الأهمية التي يوليها القرآن للإدراك السمعي والآثار التي قد تنشأ عن فقدانه على حياة البشر المبتلين بذلك.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن فقدان البصر ليس بالأمر الهين ولهذا الســبب يجب أن لا يعتبر بالحــاسة الاعتيـادية بل على النقيض تمامًا من ذلك فإنها على نفس القدر من الأهمية، مثلها مثل حواس البشر الأخرى، فكل واحدة من هذه الحواس لديها وظيفة محددة هي التي تحدد درجة أهمية كل منها.

فضلاً عن ذلك فقد ذكر السمع والبصر في القرآن معًا ثمانية وثلاثين مرة بذات التتابع. ووردت كلمة السمع ومشتقاتها مائة وخمسًا وثمانين مرة بينما ذكرت كلمة البصر ومشتقاتها مائة وثمانية وأربعين مرة. واستخدمت كلمة السمع في القرآن لسماع الأصوات والكلام ولإدراك المعلومات المنقولة عن طريق هذه الأصوات والكلمات، بينما تستخدم كلمة البصر في ثمان وثمانين مناسبة للدلالة على إبصار الضوء وغيره من الأشياء بالمعنى الملموس. غير أن استخدامات البصر الأخرى في القرآن تدل على التفكير المنطقي والتأمل حول الكون وكل جوانب الحياة.

بناء على ما سبق، إذا كان (السمع) يسبق (البصر)، فلا بد أن يكون هناك سبب مقنع لذلك. لماذا يأتي السمع أولاً؟ ولماذا هذا التتابع؟ فالعين والأذن، من منظور بيولوجي، يؤديان وظيفتين مختلفتين. وبينما تهتم العين أساسًا بالضوء والألوان وغيرها من الأشياء المتعلقة بالبصر فإن الأذن تهتم بالأصوات. والعين لا تنقل الصوت إلى الدماغ/ العقل.

إنما الأذن هي التي تقــوم بهذه المهمة. حيث إن اللغة تنتقــل من المتحدث إلى المستمع عن طريق الصوت وإن الأذن هي التي تنقله إلى الدماغ/ العقل، حيث تتم عملية حــل شفرة الرســالة المتلقـاة، وبما أن القرآن يهدف إلى غرس المعرفة المفهومية في الإنسان لذا وقع الاختيار على الأذن لتلعب دور الوسيط بين الْمُخاطِب (الله) ـ جل جلاله ـ والْمُخاطَب (الإنسان). ولهذا السبب تلعب الأذن دورًا مهمٌّا في القيام بدور الوسيط بين الرسالة (المحتوى القرآني) وعقل الإنسان (المتلقي). ولهذا فقد كانت الأذن هي العضو الأساسي الذي اهتم به القرآن بوصفه أداة التعلم. ومع ذلك تظل الأذن جهازًا مهمٌّا للغاية في نقــل المحتوى اللساني إلى العقل الذي يقوم بفك شفرات الوحدات الصوتية إلى كيان مفهوم وسيمي (رموزي). والعين تعجز عن القيام بهذا الدور كما أنها لم تخلق له ولكنها تستخدم أداة لنقل المعلومات البصرية في التعلم البشري، وتستطيع القيام بنقل أو عكس الصور التي يمكن تحويلها إلى رموز خيالية. فالإنسان ـ على سبيل المثال ـ يستطيع رؤية آيات الله الكبرى بالنظر إلى الطبيعة أو حتى إلى نفسه (بوسائل الاستبطان واسترجاع الأحداث).

والله ـ سبحانه وتعالى ـ يحث الإنسان على استخدام بصره لفهم العالم الذي يحيا فيه ليقر في نهاية الأمر أن الله بقوته وحكمته هو خالق البشر ومانح الحياة. إن حقيقة ورود كلمتي (السمع) و(البصر) بهذا التتابع يجعل المرء يفكر في السؤال الذي يطرح دومًا:

(لماذا يكون الأمر على هذه الشاكلة؟)


فإذا كان القرآن قد ميز السمع والبصر على ما عداهما من حواس فإنه كذلك قد ميز السمع على البصر تقريبًا في كل آية ذكرا فيها معًا، ولا بد من وجود سبب مقنع لذلك. وبينما يتوجب علينا اعتبار الاثنين هبتين وهبهما الله ـ سبحانه وتعالى ـ للإنسان، فإن علينا أن نؤكد بأنَّا لسنا قادرين على المبالغة في تقويم مزية السمع والبصر في التعلم.

فإذا كان القـرآن الكريم قد ألقى الضوء على هبة نعمتي السمع والبصر اللتين أنعـم الله بهمـا على البشـر ـ فلا بد أن للترتيب الذي ورد بهما في القرآن الكريم مدلولات نظرية وعملية. فقد دعا القرآن البشر للإيمان بالمنظـور من الأشـياء وغير المنظور منها. وأمـر القـرآن البشر بالتأمل في آيات الله الكبرى وبالنظر في الطبيعة وفي أنفسهم بوسائل الاستبطان والاسترجاع.

ولهذا لا بد من التفكير فيما توصل إليه علم النفس التجريبي في مجال إدراك الكلام المتعلق بالمعلومات السمعية والبصرية وذلك للبحث عن بعض من المدلولات النظرية والعملية في هذا الخصوص.

تطور السمع والبصر


رغم أن الجهاز السمعي والجهاز البصري لدى الإنسان تنشأ بدايتهما في ذات الوقت وذلك في الأسبوع الثالث بعد حضانة الخلايا الأولى للجنين في بطان الرحم، إلا أن جهاز السمع يصبح فاعلاً وظيفيٌّا أثناء فترة الحمل. وتبدأ مُقلتا العين في التحرك فقط مع بداية الأسبوع الثاني عشر بينما تفتقد حركات العين إلى الإدراك، في حين أن الأذن قادرة على ممارسة وظيفتها السمعية طول أثناء المرحلة الحملية رغم امتلائها بالسوائل التي تجعلها صماء جزئيٌّا. وهذا الصمم الجزئي يقوم في واقع الأمر بحماية الجنين من التعرض للإزعاج من الأصوات الخارجية غير أن هذه الحماية لا تشمل الأصوات العالية بجوار بطن الأم (Moore, 1983). ويوضح لنا هذا أن جهاز السمع يبدأ في القيام بوظيفته قبل الجهاز البصري، في مراحل مبكرة فضلاً عن جزئية هذه الوظيفة. حاسة السمع، من منظ تفاعل اجتماعي، هي أول ما يستخدمه الرضيع للتواصل مع العالم الخارجي خلال المرحلة الجنينية. ولهذا فإن هذه الحقيقة لا بد أن تعلي من شأن حاسة السمع وتمنحها مزايا واضحة على ما عداها من حواس.

يكون الطفل مهيئًا عند وقت الولادة بجهاز سمعي مكتمل نسبيٌّا وجهاز بصري أقل اكتمالاً. وهذا يعني أن حساسية شبكية العين تجاه مختلف أنواع الضوء ضعيفة. بينما الأذن قادرة على التجاوب مع الصوت فهي تحدد بداية مقدرة الطفل على تحديد اتجاه الصوت (
As-Sayid, 1968: 108
). إضافة لهذا فإن الأبحاث في علم النفس التجريبي تشير إلى أن (
زمن الارتداد السمعي Auditory Time-Back
) أقصر من (
زمن الارتداد البصري Visual Time-Back
) مما يعني أن السمع يلعب دورًا حاسمًا في المواقف الحرجة بينما البصر غالبًا ما يكون أقل أهمية من ناحية تسلسل الأهمية (
Voss, 1972: 40
).

وللحواس الإدراكية خاصية مهمة تكمن في المقدرة على التوقع والتبصر والسبق، غير أن حاسة السمع، مثلها مثل عدد من الحواس الأخرى، هي الأقل اعتمادًا على العالم المادي المباشر وذلك يعود لاستخدامها كثيرًا من الرموز المجردة والإشارات السيمية. إن الرموز التي تنحو لأن تكون أكثر تحررًا من الارتباط مع الموضوع الفيزيائي هي الرموز اللسانية وما وراء اللسانية وهي التي تلعب فيها حاسة السمع دورًا هامٌّا في تطور الملكات اللغوية عند البشر (As Sayid1968:206).

وتقع منطقة التفسير اللغوي داخل قشرة الدماغ بجوار منطقة السمع وهي الأكثر ارتباطًا بها من منطقة البصر، وهذا التقارب في المواقع يساعد منطقة التفسير اللغوي على النمو وعلى اكتمال وظائفها قبل زمن طويل من نظيرها البصري، وهذا ما يفسر السبب الذي يتيح للأطفال اكتساب اللغة المنطوقة وفهمها قبل فهمهم للأشياء المرئية (Guyton, 1981: 688). وهنا يتضح الإعجاز القرآني في تقديم السمع على البصر وبهذا التتابع.

السمع والبصر يكمل كل منهما الآخر في إدراك الكلام:

وأوضحت تجربة أخرى (أو بالأحرى سلسلة من التجارب) أجراها دود Dodd عام 1977م مرة ثانية باستحالة تجاهل المعلومات البصرية وأنها تتساوى مع المعلومات السمعية في عملية إدراك الكلام. فقد قدمت قوائم كلمات (حرف صامت ـ صائت ـ حرف صامت) إلى أفراد البحث في خمسة ظروف تجريبية مختلفة. وكان هناك نفس المستوى من الضجيج يغطي على الإشارة السمعية في كل الظروف. وأوضحت النتائج أن الأخطاء المرتكبة عند تقديم الكلمات في ظرف بصري فقط (دون وجود معلومات سمعية) لم تكن حقيقة مختلفة عن الأخطاء التي ارتكبت عندما تعرض الأفراد إلى الصوت فقط (مع إخفاء وجه المتحدث). ولهذا تساوت المعلومات الناتجة من رؤية المتحدث ومن سماع إشارة سمعية ضعيفة. فعندما رأى أفراد البحث كلمة مختلفة من تلك التي يسمعونها، كان ناتج معلومات البصر أكبر من ناتج معلومات السمع. وفي ظرف آخر عندما منح الأفراد معلومات بصرية فقط تم إدراك الحروف الصامتة الأمامية بشكل أسهل من تلك الخلفية ونحا أفراد عينة البحث إلى استبدال الحروف الصامتة من نفس مكان النطق، وهنا يتضح إعجاز القرآن في تلازم السمع والبصر عند ذكرهما مجتمعين.

يمتزج السمع والبصر ليكونا أكثر القنوات أهمية وعطاء لاكتساب المعرفة بشكل عام واللغة بشكل خاص وهاتان القناتان المتلقيتان تمكنان الإنسان من معالجة المعرفة التي يتحصل عليها من بيئته وتستقر في عقله وتلعب حاستا السمع والبصر دورهما كركيزة نستطيع من خلالها بناء حضارة إنسانية ونظم تعليمية متوازنة وعادلة. فإن أخفقنا في استخدامهما فقد يؤديان بنا إلى الفشل الكامل ـ بل أحيانًا إلى دمار مجتمعات بأكملها ـ فالسمع والبصر لا يمكـن الاســتغناء عنهمـا في التعلـم الهـادف، ويشــمل ذلك تعلـم اللغـات التي يكمن هدفها في تحقيق التواصل الفاعل والمجدي بين البشر ودونها لا يمكن لعمليـة التعلم لأي فـرع من فـروع المعرفة أن تتم على الوجه الأكمل ولهذا السبب تعجز عن تحقيق الاستقرار والتجانس للإنسانية في أي من الأشكال المنظورة.

يتضح من أعلاه أن المعلومات السمعية البصرية تلعب دورًا مهمٌّا في تفعيل التواصل مع العالم الخارجي، ففي حالة فقدان البصر يمثل الإدراك السمعي قناة الأعمى للتواصل مع الأفراد المتحدثين بكلام جماعته أو الناطقين بلغته وقد يمتد هذا التواصل مع الأشخاص المنتمين للأصول الثقافية واللسانية الأخرى، إن كان يعرف لغاتهم.

البصر جزء مركزي من عملية السمع


يقوم الرضيع، منذ بلوغ الأسبوع الثامن عشر في المرحلة قبل الكلامية، بمحاكاة حركات الفم عند الكبار وذلك بربطه لحركات نطقية محددة للكبار مع أصوات كلامهم، ويزعم دود (Dodd, 1987) بأن الرضع يطورون إدراكهم الكلامي اعتمادًا على كل من المعلومات السمعية والبصرية. فإن كان هذا صحيحًا فإننا نتوقع أن يواجه الأشخاص المولودون عميًا الذين يعجزون عن رؤية طريقة نطق الأصوات، مصاعبَ في كل من التمييز النطقي وفي التطور الفونولوجي، وفي حقيقة الأمر فقد وجد ميلز (Mills,1987) أن الأطفال المعاقين بصريٌّا تكون استجاباتهم الصحيحة للأصوات التي أماكن نطقها مرئية مثل (/b,/p/,/m/,/f/, >/) أقل بكثير من الأطفال المبصرين. إن عجزهم عن ملاحظة حركة الشفاه يؤدي إلى تقليل اكتساب الأصوات، علاوة على هذا فإن الأخطاء التي يرتكبها الأطفال المبصرون وتلك التي يرتكبها العمى تتباين في طبيعتها، تكثر أخطاء الأطفال العمى أحيانًا عند الأصوات التي تزداد فيها أهمية مكان النطق، بينما الأصوات التي تزداد فيها أهمية طريقة النطق ـ وبالتالي تكون أكثر سهولة لأن تسمع ـ تبدو أقل صعوبة على الاستيعاب عند الأطفال العمى. وبذا فإن فقدان البصر يجعل بعض الأصوات ـ تلك المتعلقة بمكان النطق ـ أكثر صعوبة لأن تدرك. وعلينا وضع هذه النتيجة في اعتبارنا في حالة متعلمي اللغة واكتسابهم الفونولوجي فالمعلومات البصرية مهمة بنفس القدر عند الاستماع.

كذلك أجريت الأبحاث على كل من الصم وعلى من يتمتعون بحاسة السمع (المبصرين). وأتت النتائج لصالح المعلومات البصرية ودورها في إدراك الكلام. وقد زعمت نظرية إدراك الكلام أن الجهاز البصري يأتي إما كجهاز مساند يكون قيد الاستخدام عندما تتدهور الإشارات السمعية بشكل ما ـ كما في حالة الصم أو من يعانون مصاعب في السمع ـ أو أن البصر يمثل جزءًا مركزيٌّا في إدراك الكلام تحت أي ظرف كان. وقد أورد ماكقورك وماكدونالد (McGurk & MacDonad 1976) في دراستهما الذائعة الصيت لتأثير البصر على إدراك الكلام ـ أوردا ظاهرة الخداعات السمعية البصرية. وعند عرض فيلم على مجموعة يقوم فيه المتحدث بحركات شفاه لـ (ga] بينما كان التسجيل الصوتي Sound Track يحتوي على مقطع (ba] الذي أعيد تسجيله على الشريط، ذكر 95% من أعضاء المجموعة البالغين سماع مقطع (da]. قد نستطيع جزئيٌّا توضيح الاندماج الحادث بين (ga] و(ba] و(da] من حقيقة أن حركة الشفاه في (ga] و(da] متناغمة بينما كلاهما مختلف عن الإغلاق الشفوي البين لمقطع (ba] إضافة لهذا فقد ذكروا ردود أفعال مختلطة فإن كانوا سمعوا (ga] ـ (ga] وشاهدوا (ba] ـ (ba] فإنهم يوردون سماع (gabga] (gaba] وهما الخليطان المحتملان للعناصر المذكورة. ما يهمنا في هذا المقام ملاحظة استحالة تجاهل المعلومة البصرية الآتية من (ba] الشفوية. 

قام رايزبرق وماكلين وقولد فيلد (Reisberg, Mclean, Gold Field, 1987) بالتحقق من النظرية القائلة بأن البصر جزء مركزي لإدراك الكلام وليس مجرد جزء مساعد للسمع، وافترضوا أن المعلومات البصرية تستخدم حتى مع وضوح وسلامة الإشارات السمعية، وقد أدخلوا عامل السمع في بحثهم من منطلق أن التجارب المشتركة للسامع تسهل عليه فهم واستيعاب المواقف التي تتم وجهًا لوجه، وفي تجربة يخفى فيها الصوت (Shadowing task) باستخدام نص فرنسي استطاع متعلمو اللغة الفرنسية الجدد تحسين أدائهم في الظروف المرئية أفضل من الظروف غير المرئية (حيث يوجد صوت فقط). كما اتضح أيضًا أن حركات الشفاه خاصة ذات أهمية في إدراك الكلام، وقد كانت الخلاصة التي توصل إليها الباحثون في نهاية الأمر إلى أن فوائد البصر تتضح أكثر عندما يصعب إدراك الكلام بشكل ما (مثلاً تقديم مدخل من لغة أجنبية).

السمع أكثـر أهمية من البصر


من الحقائق المعروفة جيدًا أن الصمم الكلي أو الجزئي يقود إلى إعاقة مستوى التطور اللغوي كما قد يؤثر على المجالات الأخرى العديدة، وهذا يؤثر على التطور الانفعالي والمعرفي بشكل عام بينما قد يواجه العمى بعض الصعوبات في التعرف على العالم المحيط بهم إلا أن الصم لا يقدرون على التواصل بوسائل لغة البشر المألوفة، لغة الإشارات معروفة ومستخدمة من قبل أقلية صغيرة من الأفراد كما يمكن استخدامها داخل حدود معينة إلى درجة أنها تتباين من قطر لآخر ومن لغة لأخرى، ومن ناحية أخرى فإن العُميَ قادرون على استخدام حاسة السمع لديهم على الوجه الكامل وقادرون على القيام بتبادل لفظي ذي معنى، لذا يتبين لنا ـ على العديد من الأصعدة ـ أن السمع أكثر أهمية من البصر.

لحاسة السمع علاقة لصيقة للغاية مع بعض الصور الحسية الأساسية، على وجه الخصوص الحساسية الداخلية للمكان Spatial internal sensitivity مثل: (أ): حاسة السكون. (ب): حاسة الحركة، وعلى الرغم من أن حاسة السكون قد لا تشتمل على تغيير، فإن حاسة الحركة لا بد أن تمر بتغيرات متباينة وفقًا للسياق الذي تعمل فيه، وعلى النقيض من ذلك فإن حاسة البصر، فضلاً عن أهميتها الواضحة، تعجز عن تحقيق الإدراك المعقد المتعدد الاتجاهات الذي يمكن أن تحققه حاسة السمع، فالبصر يعمل في مدى محدود للغاية بينما يمتد السمع ويتجاوز ذلك المدى.

والأذن البشرية أكثر دقة في تحليلها لصفات الصوت (والضجيج) من العين في تحليلها لظلال الألوان وصفات الضوء، وتعجز العين على سبيل المثال عن تحليل الألوان المركبة فيما يخص مكوناتها غير أن الأذن قادرة على تحليل الوحدات الصوتية المعقدة بما في ذلك الضجيج الذي يحدث في الخلفية، وعلى هذا النسق فإن للأذن ميزة إضافية على العين فيما يتعلق بمقدرتها الفائقة على تحليل الأصوات السمعية أو الشفوية عالية التعقيد وظاهرة الصوت/الضجيج (Voss,1972:16ـ21).

إن الإدراك السمعي أكثر تحررًا من آثار الخداع الإدراكي (والأوهام الإدراكية) من الإدراك البصري. وتعتبر الخداعات الإدراكية الأكثر شيوعًا هي الخداعات البصرية بينما تكمن الهلاوس الأكثر شيوعًا في الخداعات السمعية، ويعني هذا أن البصر قابل لأن يخطئ في ظروف الإدراك العادية بينما حاسة السمع ـ في الظروف غير العادية ـ أكثر عرضة للخطأ في حالات الشذوذ الإدراكي والحالات المرضية (Robinson,1972). وعليه فإن مزايا السمع تميل أكثر إلى الموضوعية في طابعها عندما يتعلق الأمر بالنظر والتمعن في العالم الخارجي ووصفه فيما يخص السلوك الإدراكي العادي، وفقط في حالات المضطربين عقليٌّا تكف حاسة السمع عن العمل على الوجه السليم.

من ناحية أخرى حتى وإن كان الشخص الأصم قادرًا على الإبصار فإنه عاجز عن الارتباط مع أعضاء جماعته الكلامية بنفس السهولة التي يستطيع بها الشخص الأعمى التواصل عبر اللغة نتيجة لهذا فإن لغة الأصم أقل تطورًا من لغة الأعمى حيث إن الصمم، سواء كان جزئيٌّا أو كاملاً غالبًا ما يعوق التطور اللغوي ويؤثر سلبًا على التفاعل التواصلي السليم بين أعضاء شتى المجموعات الاجتماعية.

تثبت لنا هذه الحقائق أن:


1 ـ نظام الإدراك السمعي البصري للبشر لا يكتسب ولكنه بالأحرى فطري ذو أهمية محددة فيما يتعلق باللغات.

2 ـ السمع والبصر بالنسبة لإدراك البشر يمثلان وجهين لعملة واحدة ويؤديان إلى اكتساب المعرفة على الوجه الأمثل، وبهما نستطيع تأمل أعظم آيات الله ـ جل جلاله ـ في إحدى جوانب السلوك البشري ألا وهو تعلم اللغات والقرآن الكريم بتمييزه للسمع والبصر على غيرهما من الحواس الإنسانية الأخرى فإنه يطلب من الإنسان تحقيق الاستفادة البناءة العظمى من هذه النعمة التي منحها الله ـ سبحانه وتعالى ـ وذلك لأن الإنسان يستطيع من خلالها أن ينفذ إلى عالم الأشياء والرموز معًا. لهذا يجب أن تحتوي المواد التعليمية المستخدمة في الاستماع للغة الثانية على معلومات سمعية وبصرية. وهنا يتجلى إعجاز القرآن في ذكر السمع والبصر متلازمين بنفس التتابع وذلك لاكتساب المعرفة البشرية حيث يولد الطفل وهو لا يعلم شيئًا. وعن طريق السمع والبصر والفؤاد يستطيع أن يكتسب العلم والمعرفة. قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)(النحل: 78). إضافة لهذا يتوجب علينا تطوير مهارات القراءة خلال المراحل المبكرة من تعلم اللغة وذلك لأن عنصر القراءة يتوفر في المعلومات البصرية.

أهمية الصوت كوسيلة اتصال


واللغة نظام بالغ التعقيد يتوسط بين مجموعة مقاصد وأغراض (المعنى المعرفي) مستخدم اللغة والبنى التركيبية الدلالية من ناحية ومجموعة الأصوات من ناحية أخرى. فاللغة تمكن المتكلم من تحويل أشكال الأفكار والمفاهيم إلى مبانٍ تركيبية دلالية، وتحويل هذه البنى إلى أشكال صوتية تتيح للسامع من داخل عقله تحويل هذه الأصوات مرة أخرى إلى نتاج صورة طبق الأصل للأفكار التي ابتدأ بها المتكلم. إن تحويل المعاني إلى أصوات يتيح للبشر نقل الأفكار من شخص لآخر. ويفترض أن للأفكار نوعًا من الوجود الكهروكيميائي في الجهاز العصبي (Noback and Demarest,1981). ومهما تكن الصيغة التي تتشكل بها الأفكار فإنها لا تنتقل من فرد لآخر بذلك الشكل وذلك لعدم وجود رابط عصبي بين شخصين منفصلين تمامًا ولعدم وجود معبر عصبي لغوي تستطيع الأفكار النفاذ من خلاله في شكلها الأصلي. وتوفر اللغة ـ مثلها مثل الأدوات التواصلية الأخرى ـ وسائل لردم هذه الهوة وذلك بتحويل الأفكار إلى وسيلة تمتلك المقدرة على الانتقال من جهاز عصبي مستقل إلى آخر غيره (Wilkinson, et al, 1974). لذا يعتبر البدء بالفهم الاستماعي في المراحل المبكرة من تعلم لغة منهجًا تدريسيٌّا قويـمًا لتعلم اللغات.

يمكن تعريف الوسيلة التواصلية بعدة طرق. ولأغراض هذه الدراسة البحثية فهي ناقل فيزيائي لمجموعات دلالية مجردة ذات معاني محددة. ويرتحل الناقل عبر الهواء بشكل جامد (أي الموجات الصوتية) ويوصل الرسائل المنتجة عن طريق مجموعات من الأصوات الجهرية والمهموسة إلى واحد أو أكثر من المشاركين في الكلام الذين يقومون بدورهم بمعالجة المعلومات المتلقاة عبر الأذن والتي توصلها إلى الدماغ والذي يقوم في وقت وجيز بفك شفرتها بطرق معقدة للغاية وعادة ما يتبع هذا الأمر استجابة شفهية موجهة إلى المرسل الأصلي والذي يصبح متلقٍّ للرسالة الجديدة التي قد تخدم أو لا تخدم أي أغراض تواصلية مفيدة اجتماعيٌّا أو ثقافيٌّا. لذا لا بد أن تكون الوسيلة التواصلية:

(أ)    قابلة للمعالجة من قبل الأفراد الذين تأتي من عقولهم (أدمغتهم) الرسالة المراد توصيلها.

(ب)   قابلة للفهم من الطرف المتلقي وذلك عبر وسيلة واحدة أو أكثر من حواس المتلقي.

بما أن القنوات المستخدمة في شتى أنواع التواصل الأساسي سواء أكانت بشرية أو حيوانية، تشمل كل وسائل الإدراك الحسية مثل: الصوت، البصر، والشم، وما شابه ذلك فإن للمرء أن يخمّن السبب الذي جعل من الصوت الوسيلة المستخدمة لنقل اللغة. وبإلقاء نظرة خاطفة على الأدبيات ذات الصلة يستطيع المرء أن يستخلص أن الجهاز السمعي المناسب لاستقبال الضجيج والصوت والذي يمكن بواسطته معالجة الصوت بشكل لطيف متوافر لكل الأسوياء من البشر. يظل عدد الأصوات المختلفة المتوفرة لنقل الرسائل صغيرًا للغاية مقارنة مع عدد وتعقد الأفكار المتنامية دومًا التي يستطيع الإنسان التواصل بها مع الآخرين.

من الواضح أن الصوت ـ من وجهة نظر عملية ـ يسمح ـ خلافًا للبصر ـ بالتواصل بغض النظر ما إذا كان المرسل والمتلقي على مرأى من بعضهما. وخلافًا لحاستي الشم والتذوق فإن السمع يتيح تنوعًا سريعًا ورائعًا في تدرجه مما يعتبر ضروريٌّا لنظام التواصل المعقد للغاية وخلافًا للمس وبعض استخدامات البصر الأخرى الشائعة فإن الصوت يعطي الحرية للأيدي لتفعل أشياء أخرى مع استمرار التواصل. ومن خلال مقدرة الأذن على اكتشاف الاتجاهات فإن الصوت يسمح للمتلقي أن يحدد (إلى درجة معينة) موقع المرسل.

إضافة إلى ذلك يمتلك البشر مقدرة خاصة على تذكر الصوت في ذاكرتهم قصيرة الأجل لفترة وجيزة بعد سماع الصوت ويستطيع السامع اختبار قدرته هذه بكل السهولة بملاحظة أن الكيفية التي قيل بها شيء تظل متاحة لثواني عديدة بينما أي شيء قد أبصر يختفي بمجرد زوال المحفز، ولم تنل هذه القدرة اللافتة للنظر رغم أهميتها في تعلم اللغات إلا قليلاً من الانتباه حتى يومنا هذا، غير أنها تمكن الإنسان من تذكر الأقوال اللسانية بشكل يسمح بمعالجتها ككل وليس كأجزاء متفرقة.

من المميزات الأساسية للصوت أنه ينتقل عبر الزمان والمكان في خط أفقي، ويتم توزيع الرموز في هذه الوسيلة بالضرورة على طول وعبر الأبعاد المكانية والزمانية، ولا بد أن تحدث إما تسلسليٌّا أو تزامنيٌّا فيما يخص بعضها بعضًا، والعائق الرئيس أمام الصوت في عدم دوامه، عدا فترة التذكر المختصرة المذكورة سابقًا، قد تم التغلب عليها خلال الألفية السابقة عبر تطور نظم الكتابة التي تكمل الصوت بوسيلة البصر، فعلى الورق ـ بالطبع ـ يوجد تمثيل عرفي لأبعاد الصوت المكانية والزمانية بالبعد الأفقي أو الرأسي للصفحة بحيث إن الرموز الكتابية وتعاقب الحركة من اتجاه آخر (من اليسار إلى اليمين في اللغة الإنجليزية على سبيل المثال) تمثل تدفق الصوت عبر الزمان والمكان.

وعليه فإن الصوت ينتقل من شخص إلى آخر أو آخرين من الموجودين داخل مدى الاستماع وعادة ما تتم إعادة تحويله داخل أجهزتهم العصبية إلى نوع من (صورة طبق الأصل) للمفاهيم الأصلية الموجودة في أذهان المتحدثين، وعادة ما تكون الصورة المطابقة للأصل (إعادة الإنتاج الفكري) غير مكتملة نتيجة للفروقات الحتمية بين الرصيد المفهومي لمختلف الأفراد وفقدان الانسجام الكامل بين نظمهم اللسانية (مما يمكن أن تكون نظمهم الثقافية كذلك)؛ ولكن حتى في تلك الحالة فإن اللغة تسمح مع ذلك بنقل المفاهيم من فرد إلى آخر بطرق لطيفة وفعالة بشكل ملحوظ.

لماذا يسبق السمع والبصر الحواس الأخرى في القرآن؟


مع الإيمان بأن الله خلق الإنسان على أفضل هيئة، فقد ساد الإجماع في كل مجالات المعرفة الإنسانية على أنه الأكثر كمالاً على سطح الأرض على الرغم من هذه الحقيقة وأن الإنسان (مخلوقٌ مفكرٌ) لم يفهم بعد بشكل كامل (Alexis Carrel, 1935). عماد أبو حطب (Abu,Hatab, 1975) إلى تلخيص ما توصل إليه علم النفس التجريبي الحديث الذي أيّد كذلك سبق الإدراك السمعي البصري في التعلم البشري على استخدام ما عداها من حواس نتيجة للأسباب التالية:

يتميز السمع والبصر بأنهما أكثر موضوعية من الحواس الأخرى، (Woodworth, 1954) وباستخدام الحواس السمعية البصرية يتحول الإنسان من حالة استخدام الكيانات المجردة المحسوسة إلى حالة استخدام الرموز السيمية والدلالات المجردة، ويستطيع عبر هاتين الحاستين الهامتين تطوير قدراته إلى مستوى بعيد من الحرفية الجمالية والفنية، إن الحواس الأخرى خلاف السمع والبصر كثيرًا ما تصاحبها بطانات وجدانية شديدة. وهذا لا يعني الاستقلال الكامل للسمع والبصر عن عالم العواطف بل المقصود هنا حقيقة أنه في حالة الحواس الأخرى والمشاعر مثل المتعة والألم قد تتطور من الإحساس المادي المباشر كما في حالة التفاعل الجسماني أو من الإحساس الكيمائي غير المباشر كما في حالة التذوق والشم. (Murad, 1962). ومع ذلك فمعظم مجال الصور الذهنية ذات الطبيعة المعقدة تنحصر في البصر والسمع إلى حد استبعاد الحواس الأخرى في بعض الأحيان وفيما يتعلق بالصور التي تنتجها الحواس الأخرى مثل الشم والتذوق واللمس فإنها غالبًا لا تكون واضحة كالصور السمعية البصرية (Nite, 1970). قامت العديد من الدراسات التجريبية التي سعت إلى مقارنة شتى درجات الوضوح النسبي في مختلف أنواع التصور بمحاولة إعادة التأكيد على أن التصور السمعي والبصري أكثر وضوحًا وقابلية للفهم من أنواع الصور الأخرى.

مقتضيات المدخلات السمعية والبصرية في تدريس اللغة:


ولحقيقة ذكر القرآن الكريم دائمًا للسمع والبصر معًا مدلولات شديدة الأهمية لتدريس وتعلم اللغة الأولى أو الثانية، والتي تتمثل في أن مهارات الاستماع والقراءة هما القناتان الوحيدتان اللتان يمكن من خلالهما معالجة المدخل اللغوي حتى تصل إلى ملكة المتعلم اللغوية الذهنية، ولهذا السبب فإن التركيز على هاتين المهارتين المتسمتين بالمقدرة على التقبل أكثر أهمية من الناحية المنطقية في المراحل المبكرة من تعلم وتدريس اللغة الأولى أو الثانية من المهارات الإحداثية (مهارات الكلام والكتابة). واعتمادًا على هذه الحقائق نقترح المقتضيات العملية التالية لتعليم اللغة.

ينشأ المعنى ـ في الإحداث اللغوي ـ من تمازج المعاني (القواعد) النحوية المجردة مع المعاني المعجمية المجردة ليشكلا ترتيبًا من البنى الدلالية التركيبية في ذهن المتكلم التي تقوم على مقاصده عند استخدام اللغة، وإن الطريق الوحيد لإيصال هذه البنى الذهنية الدلالية خارج الذهن يتم عبر الأصوات وذلك لأنها كونت من المعاني التركيبية المجردة هذه الأصوات يتم إنتاجها خارج الذهن في مواضع مختلفة في البلعوم والفم والأنف ثم يقوم المتلقي (السامع) للغة بنقل أشكال الصوت هذه عبر النظام الإدراكي السمعي البصري إلى ذهنه الذي صمم في المقام الأول بيولوجيٌّا ونفسيٌّا لاكتساب أية لغة بشرية، ولهذا السبب أيضًا يجب تعريض متعلمي اللغة للمدخلات السمعية والبصرية التي يستطيعون فهمها والتي تتجاوز مستوى كفايتهم اللغوية بقليل وذلك لمضاعفة احتمال نجاحهم. لذا ليس مستغربًا أن يذكر القرآن الكريم السمع والبصر كإحدى نعم الله ـ سبحانه وتعالى ـ التي أنعم بها على البشر. لذا فإن الدلالة العملية لهذه الإشارة القرآنية حول تعليم وتعلم اللغات يصبح في غنى عن الإثبات.

يبدو أن تقديم كميات ضخمة من مدخلات سمعية وبصرية (شاملة وأصيلة) منهج مناسب لتدريس وتعلم اللغة الأولى أو الثانية في قاعات الدراسة يعتبر مفهوم (المدخلات السمعية والبصرية الشاملة الأصيلة) مسؤولاً عن الكيفية التي يستطيع الطلاب بها اكتساب اللغات بأكثر الطرق فعالية واقتصادًا. ويجب تعرضهم إلى لغة شفوية أصيلة تكون في متناول إدراكهم ومتقدمة بعض الشيء من مستوى كفايتهم الحالية (Krashen, 1988) وعلى خُطَى المدخلات الشفوية والبصرية الشاملة الأصلية الأساسية يمكن افتراض وجود لوازم طبيعية أخرى.

يجب إعطاء المدخلات اللغوية الشفوية الأولوية في المراحل المبكرة للأسباب الآتية: يبحث أولاً متعلمو اللغة الثانية واللغة بشكل عام، والمتعلمون الكبار بشكل خاص، عن المعنى في عملية اكتساب اللغة. ويحتوي رصيد متعلمي اللغة الثانية على الجانب الدلالي للأفكار التي يتوقع منهم تعلم شكلها اللفظي (مسماها) في اللغة الثانية. وتعتبر الأشكال اللفظية (الفونولوجية) لهذه الأفكار غريبة بالنسبة لمتعلمي اللغة الثانية من الكبار. فالتمثيل الصوتي للكلام هو أول ما يطرق آذان متعلمي اللغة ولهذا السبب يستطيع المتعلمون التركيز على اكتساب الأشكال الصوتية للرسالة، يعتبر المدخل السماعي في اللغة هو في الأساس الأصوات الشفوية التي تدرك عن طريق الجهاز السمعي فقط، وهذا يتطابق مع تمثيل القرآن للمعلومات الشفوية وتقديمها على المعلومات البصرية.

إذا تبين أن المدخل اللغوي قد استوعبه المتعلم وأنه كافٍ من الناحية النفسية التعليمية فسوف يبقى النحو الضروري في عقل الطالب كجزء من المحتوى اللغوي الكامل الذي تم تجسيده في الداخل ولا يحتاج معلم اللغة إلى تدريس التراكيب اللغوية وذلك لأن ملكة المتعلم اللغوية سوف توفر المقادير الكافية والمأخوذة من المدخلات السمعية والبصرية.

لا يمكن تدريس الكلام مباشرة في المرحلة المبكرة من اكتساب اللغة ولكنه سوف يبرز وحده نتيجة للتزايد التدريجي للكفاية اللغوية عبر المدخلات الإدراكية الشاملة. ويمكن تطوير التخاطب، في مرحلة متقدمة من اكتساب اللغة الثانية، كمهارة لغوية في حد ذاتها، ولكن مع ذلك يبقى الإدراك السماعي المصدر الرئيس الذي يغذي ملكة المتعلم اللغوية، ويحتاج المرء ـ كي يصبح متحدثًا لبقًا ـ إلى الكثير من ممارسة التحدث باستغلال الآليات الضرورية لتطوير هذه المهارة.

الخاتمة


يسود افتراض بشكل عام، في تدريس اللغة الثانية، أن الفهم الاستماعي يشتمل على حاسة السمع فقط. غير أن الأبحاث الحديثة التي أجراها بعض الباحثون في مجال الإدراك الكلامي قد أوضحت خَطَلَ هذا الرأي. علاوة على ذلك يؤمّن القرآن الكريم على الوظيفة الأساسية للمعلومات السمعية والبصرية في الإدراك البشري بشكل عام وفي الإدراك الكلامي على وجه الخصوص.

يحوي التمثيل القرآني للسمع والبصر دلالات نظرية وتطبيقية هامة لتعلم وتعليم اللغة الأولى أو الثانية. ولهذا، فإن التركيز على هاتين المهارتين (الاستماع والقراءة) ذات الطابع التقبلي أكثر أهمية من الناحية التعليمية ومن الناحية المنطقية أيضًا خلال المراحل الأولى من تعلم وتعليم اللغة الثانية من المهارات الإحداثية. إضافة إلى هذا يمكن تحويل التجليات الفيزيائية للغة عبر نظم الإدراكات السمعية والبصرية، إلى الملكة اللغوية التي خلقت أساسًا لتستجمع القياسات الأولية للدلالة المجردة للغة الهدف وتجسيدهما داخليٌّا في اللاوعي.

لذا فإن تقديم كميات ضخمة من المعلومات السمعية والبصرية، من الناحية العملية، تبدو كأنها منهج مستقيم لتعليم وتعلم اللغة الثانية في قاعات الدراسة خلال المراحل المبكرة من تدريس اللغة الثانية. ويستطيع المتعلمون الكبار بهذه الطريقة اكتساب اللغة الثانية بأكفأ طريقة وأكثرها اقتصادًا، وبما أنهم يمتلكون الجانب الدلالي مما يفترض أن يتعلموه، يمكنهم التركيز على الأشكال الصوتية للرسالة التي تلقوها عبر المعطيات الشفوية والبصرية علاوة على هذا لا يحتاج معلم اللغة لأن يقوم بتدريس بني اللغة طالما أنها ستتاح بالمقادير المناسبة عن طريق ملكة المتعلم اللغوية التي تم تجميعها من المدخلات السمعية البصرية.

أخيرًا، يجدر بنا التأكيد على أهمية المنظور القرآني لحاستي السمع والبصر ودلالاته المتعلقـة بتعليـم وتعلم اللغة الأولى والثانية يجب النظر إليه كخطوة نحو بناء نموذج لعمليـة تعلم اللغة الأولى والثانية بشكل عام وللفهم الاستماعي للغة الثانية على وجه الخصوص.

ويشكل هذا النوع من البحوث أساسًا لتطور النظرية ولهذا تجب المثابرة فيه خلال العقود القادمة بهمة لأننا نحتاج إلى تحقيق هذه الأهداف البحثية حتى نتمكن من ابتكار واستخدام المزيد من المناهج التدريبية الفاعلة الصالحة ومزيدًا من المواد السماعية.

References:

Abu-Hatab, Fuad. 1975. Audio-Visual Perception (Psychological Studies in the Light of the Holy Quran). King Abdul Aziz University Journal, 1.

As-Sayid, Fuaad, A. 1968. Al-Ususs Al-Nafsiyyah Lin-Numuw (Psychological bases for Development. Cairo: Dar Al-Fikr Al-Arabi.

Dodd, B. 1977. ‘The role of in the perception of speech. ‘ Perception 6:3-40.

Dodd, B. 1987. ‘The acquisition of lip-reading skills by normally-hearing children’ in Dodd and Campbell (eds).

Carrel, Alexis. 1935. LHomme, Cetlncunnu. Translated by Fareed, Shafeek A. 1980.

Guyton, AC. 1981. Textbook of Medical Physiology. Philadelphia. Saunders.

McGurk, H. and I. MacDonald. 1976. ‘Hearing lips and sing ‘ Nature 264:746-8.

Mills, A,1987. ‘The development of phonology in the blind child’ in Dodd and Campbell (eds). Hearing by Eye: the Psychology of Lip-reading. London Lawrence Eribaum Associated Ltd

Mills, A. and Rmiem. 1980. ‘Auditory-visual fusions and illusions in speech perception. ‘ Lin_guistische Berichte 68:85-108.

Moore, Keith L. 1983. The Developing Human. Jeddah, Dar A1-Qiblah

Murad, Yousif 1962. Principles of General Psychology, Cairo: Dar Al-Maa?aref.

Nite, Rex and Margarete Nite, 1970. Introduction to Modem Psychology.

Noback and Demarest 1981. The Human Nervous System. New York: McGraw Hill.

Reisberg, D. , 3. McLean, and A. Goldfleld. 1987. ‘Easy to hear but hard to understand: a lip reading advantage with intact auditory stimuli’in Dodd and Campbel (eds) Hearing by Eye: the Psychology of Lip-reading. London: Lawrence Erlbaum Associated Ltd.

Robinson, J. 0. 1972. The Psychology of Visual fllusions. London: Hutchinson.

Voss, B. 1972. New Direction in Psychology, Tubingen: (hinter Nan Verlag.

Voss, B. 1984. Slips of the Ear Investigations into the speech perception of German Speakers of English. Tubingen: (hinter Nan Verlag.

Woodworth, RS. , Schlosberg, H. 1954. Experimental Psychology. New York: Holt, Rinehat and Winston, 19.